السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
461
مفاتيح الأصول
جملة كلام له على أنا نقول الإجماع مثلا وإن كان علميا إلا أنه لا يكاد ينفعنا في المسائل إلا بضميمة أمر ظني إذ لا يكاد يثبت منه إلا أمر إجمالي مثلا الإجماع واقع على وجوب الركوع في الصّلاة وأمّا حدّ الركوع وواجباته ومحرّماته ومفسداته وسائر أحكامه فإنما يثبت بأصل البراءة أو أصل العدم أو الحديث أو أمثال ذلك فظهر أن طريق معرفة الأحكام كاد أن ينحصر في الظني على أنه لو تحقق طريق علمي ينفعنا في بعض المواضع بالاستقلال فلا يبعد أن لا يكون مما يتعلق به الاجتهاد منحصرا في الظني نعم ربّما يحصل العلم من تعاضد الأمارات والأدلة انتهى وفيه نظر وأما العقل فلأنا لم نجد منه ما يدلّ على الحكم الواقعي بنفسه من غير ضمّه إلى مقدّمة أخرى نقلية وأمّا المنضم إليها فلا يحصل منه العلم لما عرفت سابقا فقد ظهر ممّا ذكر أن ما عدا الضّروري من الأحكام الشرعية الفرعية لا يكون معلوما كما صرّح به في المعالم وفيه نظر للمنع من انحصار القطعي منها في الضروري بل قد يحصل العلم بالحكم الشرعي الفرعي ولم يبلغ إلى حدّ الضرورة كما أشار إليه جدي البهبهاني في حاشية المعالم المنسوبة إليه فقال بعد الإشارة إلى ما في المعالم ما ذكره فاسد بالبداهة إذ ربّما يمكن إثبات بعض ما ليس ضروريّا بالمتواتر سيّما المتواتر بالمعنى بل لا تأمل في الإثبات وتحققه كثيرا وأمّا الإجماع ففي كثير من المواضع يثبت من التتبع والتطلع والتظافر والتساوي من فتاوى الفقهاء وربّما انضم إليها القرائن من الأخبار والقرآن والعقل وربّما نقل الإجماع بحد التواتر مثل الإجماع على اشتراط الإذن الخاص في وجوب صلاة الجمعة وربما انضم إلى الإجماع المنقول قرائن أخر مفيدة لليقين بل وربما انضم إلى الإجماع المنقول بخبر الواحد أمثال ما ذكر إلى حد حصل اليقين وربما يحصل اليقين من خبر الواحد المحفوف بالقرائن سيما إذا استفاض وبلغ حد الكثرة في الاستفاضة وأما أصالة البراءة في الموضع الَّذي لا يكون دليل على التكليف ولا ظن به أصلا فهي من اليقينيات كما حققنا في رسالتنا المكتوبة في أصالة البراءة للأخبار المتواترة والقرآن والإجماع المنقول من كثير من الفقهاء واتفاق فتاويهم في ذلك بل وحصول ( يحصل ) القطع من ملاحظة طريق الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بالنسبة إلى المكلَّفين في تكاليفهم إلى غير ذلك وبالجملة من ادعاه من الانسداد مخالف للوجدان في كثير من المواضع انتهى وبالجملة الإنصاف أن المقطوع به من الأحكام الشرعية الفرعية لا ينحصر في ضروري الدين أو المذهب بل قد يتحقق في غيره أيضا نعم هو في غاية القلَّة ونهاية الندرة كضروري الدين والمذهب فمعظم الأحكام الشرعية الفرعية مما لم يتمكن من العلم به قطعا والدليل يتم على هذا التقدير أيضا ولا يختص تماميته بما ادعاه في المعالم من انحصار القطعي في الضروري كما لا يخفى وقد صرّح بقلَّة المقطوع به في الأحكام الشرعية الفرعية وبأن جميعها ليس بمقطوع به في جملة من الكتب ففي رسالة الاستصحاب لجدي العلامة البهبهاني قدس سره وسدّ باب اليقين بتفاصيل تلك الأحكام قطعي وجداني لأن المعلوم بالظاهر والإجماع ليس إلا أمرا إجماليا وهو قدر مشترك بين خصوصيّات لا بد من اعتبارها حتى ينفع ذلك الإجمالي وتعيّن ذلك المشترك بصيرورته حكم الشرع بالنسبة إلى أفعالنا مثلا إنّ الصّلاة واجبة علينا لكن معرفة كل واحد من أجزائها وشرائطها ومصحّحاتها ومبطلاتها وأحكام الشك والسّهو وغير ذلك مما لا يحصى كثرة وكتبها الفقهاء من أول كتاب الطهارة إلى كتاب الصّلاة إنما يكون بأخبار الآحاد وظواهر القرآن والإجماع المنقول بخبر الواحد وغيرها من الظنون ومع ذلك لا محيص في العمل بخبر الواحد وما ماثله من اعتبار أصل العدم وأصل البقاء ومثل أصالة عدم السقوط والتبديل والتحريف والنقل وغير ذلك من الظنون مثل قول اللغوي والأمارات الظنية أو غيرهما مما هو معلوم وقد فصّلنا بعض تفصيل في رسالتنا في الاجتهاد والأخبار وبالجملة رفع اليد عن الظنون بالمرة يوجب رفع الشّرع بالمرة وتحقق إجماع يقيني على اعتبار خصوص ظن يقينا اعتباره في تحقق الشرع لنا غير معلوم ومن أراد البسط والتفصيل فعليه بالرجوع إلى الرسالة ومع ذلك مشاهد محسوس أن المدار على الظنون والبناء إنما هو عليها حتى الذي ينكر حجية كلّ ظن للمجتهد ليس مداره إلا عليه وإن كان ينكر باللسان ثم قال إن الأخباريين يوجبون العمل بالمقطوع به وإلا فالتوقف أو الاحتياط وفيه ما فيه لانسداد باب القطع بالبديهة والوجدان من جهة سند الأخبار ومتنها ودلالتها وتعارض بعضها مع بعض آخر ومع دليل آخر وعدم القطع بالعلاج إلى غير ذلك مما ذكرنا في الرسالة وأثبتنا مشروحا فساد قولهم وأنه شبهة في مقابلة البديهة ولو تيسر القطع لكان المجتهدون أيضا لا يجوزون العمل بالظن بل مع الظن الأقوى لا يجوزون العمل بالظن الأضعف فضلا عن العلم ثم قال وبالجملة كون المدار في الفقه على الظن في أمثال زماننا من المسلمات عند الفقهاء ولذا عرفوا الاجتهاد المرادف للفقه بما عرفوا بل هو من البديهيات والمحسوسات حتى أن خبر الواحد الَّذي هو العمدة في أساس الفقه نقل إجماع الشيعة على عدم حجيته بل وكون العدم من ضروريات مذهبهم بل من الشيعة من كان يستحيل التعبد به وأهل السنة في كتبهم الأصولية نسبوا المنع عنه إلى الشيعة وتتبع كتب متكلَّمي الشيعة من قدمائهم يكشف عن صحة النسبة وأكثر فقهائنا القدماء كانوا كذلك وإن كان يظهر من كلام الشيخ خلاف ذلك ويظهر من بعض القدماء أيضا وربّما يظهر أن محدثي الشيعة كانوا يرون الجواز وكيف كان لا يحصل اليقين بإجماعهم على الحجية وعلى تقدير التسليم كان مشربهم مختلفا في اعتبار ما هو الحجة فلا