السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
455
مفاتيح الأصول
الشرعية في تعريف الفقه العلم بوجوب العمل عليها قلنا لا يستقيم لأنه يؤدي إلى الفساد لأن قولهم العلم بالأحكام الشرعية لا يدل على العلم بوجوب العمل بالأحكام لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما ولو سلم أن له دلالة على ذلك لكان العلم بوجوب العمل بالأحكام مستفادا من الأدلة الإجمالية والفقه ومسائله وجب أن يستفاد من الأدلة التفصيلية وأيضا لو كان الأمر كذلك لكان تفسيره بوجوب العمل يقتضي انحصار الفقه في الواجبات من الأمور وليس كذلك لا يقال إن المراد وجوب العمل بوجه ظنه حتى لو ظن أنها واجبة علم بوجوب العمل بها بهذا الوجه وإن ظن أنّها مندوبة علم ندب العمل بها لأن الدليل غير قائم في صورة الوجوب فلا يتحقق العلم ولو سلم لزم أن يكون المراد بوجوب العمل بالأحكام الوجوب والنّدب والكراهة والإباحة وهذه ظلمات بعضها فوق بعض على أن كون القياس طريقا للحكم الشرعي وكون الحكم المظنون منه مما يجب العمل به شرعا أول المسألة وعين النزاع كما عرفت انتهى وثانيها قوله تعالى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وقد استدل به لعدم حجية القياس في النهاية والتهذيب ونهج الحق وغيرها وأورد عليه سلطان المحققين فقال يمكن أن يقال إن الذّم على حصر الاتباع في الظن فلا يدل على قبح اتباع الظن ودفعه الفاضل جمال الدين الخوانساري في الحاشية فقال بعد الإشارة إليه وهذا مما أورده المحشي أيضا في حاشيته وفيه أن حصرهم الاتباع في الظن بعيد جدّا بل معلوم خلافه فيبعد أن لا يمكن حمل ذمهم على الذم عليه ثم قال فالظاهر في الجواب أن يقال إن الذم في هذه الآيات إنما هو للمشركين على أنهم ما يتبعون فيما نقل عنهم من نسبة الشريك أو اتخاذ الأصنام آلهة ونحوهما إلا الظن وليس لهم به علم وحينئذ فلا يفيد إلا ذم اتباع الظن في مثله من العقائد ولا يفيد ذمه في الفروع ولا في أصول الفقه أيضا ومثله القول في قوله تعالى وما يتبع أكثرهم إلا ظنا لكن قوله تعالى بعد ذلك إن الظن لا يغني الآية ظاهر في العموم فلا بد في الجواب من التمسك بما ذكره الشارح انتهى وثالثها قوله تعالى وأن تقولوا على اللَّه ما لا تعلمون وقد احتج به على عدم حجية القياس في المعارج والنهاية والتهذيب ونهج الحق والمنية وغيرها وفيه نظر ورابعها قوله تعالى في سورة بني إسرائيل ولا تقف ما ليس لك به علم وقد استدل به على بطلان العمل بالقياس في المعارج والنهاية والتهذيب والمبادي ونهج الحق والمنية وغيرها وفي مجمع البيان وقد استدل جماعة من أصحابنا بهذا على أن العمل بالقياس وبخبر الواحد غير جائز لأنهما لا يوجبان العلم وقد نهى اللَّه تعالى عن اتباع ما هو غير معلوم انتهى وفيه نظر لوجوه منها أن الآية الشريفة يحتمل اختصاصها بأصول الدين وهي ليست من محلّ البحث وقد صرح بهذا في المعالم وفيه نظر فإن هذا الاحتمال مخالف لظاهر اللَّفظ ولا دليل عليه فلا يصار إليه بل يجب العمل بظاهر اللفظ من الشمول لأصول الدّين ولأصول الفقه وللأحكام الشرعية الفرعية وللموضوعات نعم يجب ارتكاب التخصيص فيها في الجملة لثبوت حجيّة بعض الظنون شرعا ولكن هذا لا يقتضي الخروج عن الحجية بالمرّة بناء على المختار من أن العام المخصّص حجّة في الباقي نعم الآية الشريفة على هذا التقدير لا تكون ناصّة على المدعى ولكن لا يشترط النصيّة هنا فتأمل ومنها ما ذكر في جملة من الكتب ففي النهاية الجواب أن ذلك مختص بالرسول صلى الله عليه وآله لإمكان استفادته الأحكام من الوحي بخلاف غيره وفي المعالم فقال وآية النهي محتملة للاختصاص بأصول الدين ولغيره مما ينافي عمومها أو صلاحيتها للتمسك بها في موضع النزاع لا سيما بعد ملاحظة ما تقدم وتقرر في خطاب المشافهة ووجوب ثبوت حكمه علينا مع ما علم في الوجه الرابع من الحجة لما صرنا إليه وأيّ إجماع أو ضرورة يقتضي لمشاركتنا في التكليف بتحصيل العلم فيما لا ريب في انسداد باب العلم به عنا دونهم وهذا واضح لمن تدبر وفي حاشية سلطان المحققين ويمكن أن يقال الآية ظاهرها مخصوص بالنبي صلى الله عليه وآله وقد أشار إليه المصنف وفي حاشية المعالم المنسوبة إلى جدي الخطاب في ولا تقف مختص بالنبي صلى الله عليه وآله لأنّه غير متعبد بالظن على أن الأصل في الخطاب أن يكون لمعين ووجوب التأسي إنّما هو فيما لم يعلم وجهه والمطلق يقيد ببعض الأشخاص كالصّحابة مثلا أو ببعض الأزمان كزمان النّبي صلى الله عليه وآله لأن تحصيل العلم حينئذ متيسّر وكلّ ذلك للجمع بين هذه الآيات وبين المذكورة الدالة على وجوب اتباع الظن وفيه نظر لأن تخصيص هذه الآيات ليس بأولى من تخصيص الآيات المذكورة بما تقيد انتهى واعترض عليه في النهاية فقال بعد ما حكينا عنه سابقا وفيه نظر فإنه إذا نهى النّبي عن الاجتهاد مع قوة نظره وكمال فطنته وعدم اتصافه بما يضاد المعرفة ففي آحاد الأمة عنه أولى وكون الوحي طريقا لا ينافي تعبّده بهذا الطريق لو كان حقا انتهى وفيه نظر نعم قد يناقش في الوجه المذكور بأن الخطاب المذكور وإن كان مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله بحسب القانون اللغوي لكن ينبغي الحكم باشتراك غيره معه صلى الله عليه وآله في الحكم المستفاد من هذا الخطاب أما أولا فلأنّ الغالب اشتراكهما في الأحكام الشرعية فيلزم إلحاق المشكوك فيه بالأعم الأغلب وفيه نظر وأما ثانيا فللقطع بأن حكم هذا الخطاب لا يختصّ به صلى الله عليه وآله لأن خواصّه صلى الله عليه وآله أمور معلومة مضبوطة وليس هذا منها ولأن من مدلول هذا الخطاب عدم حجيّة الظن في أصول الدّين ولا في الموضوعات الصرفة ولا في الأحكام الشّرعية الفرعية مع عدم انسداد باب