السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
454
مفاتيح الأصول
الشريفة محمول على الشك من جهة كونه موضوعا له لغة أو عرفا عاما أو خاصّا حتى تكذبه الكتب الأصولية والشّواهد اللَّغوية والعرفية بل مقصوده أن الظن محمول على الشّك مجازا وتأويلا بناء على مخالفة ظاهر الآية الشريفة للإجماع بل الظاهر على حجية جملة من الظنون في الشريعة وربّما يشير إلى هذا كلام العضدي في شرح المختصر فإنه قال وما ذكروه لا عموم له في الأشخاص ولا في الأزمان وقابل للتخصيص وغيره فتأمل وفيه نظر أما أولا فلأن استعمال الظن في الشّك بالمعنى المتعارف غير معهود وصحة استعمال الشك في الظن بل كونه من أفراد الشك لا يقتضي صحة استعمال لفظ الظن في الشك بالمتعارف على أنه قد يقال لا شك في صحة استعمال لفظ العلم في الظن ولذا قيل في تعريف الفقه الذي أكثره من باب الظنون هو العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعية فلو صحّ استعمال لفظ الظن في الشّك لصحّ استعمال لفظ العلم في الشّك وهو باطل بالضرورة فتأمل وأما ثانيا فلأن مخالفة ظاهر الآية الشريفة للإجماع لا يستلزم حمل لفظ الظن على الشك بل غاية ما يلزم ارتكاب تأويل في الآية الشريفة وهو كما يمكن بحمل الظن على الشك كذلك يمكن بتخصيص عموم الآية الشريفة بإخراج الظنون التي ثبت حجيتها شرعا منه فيعمل به فيما لم يثبت تخصيصه فيكون أصلا في الحكم بالمنع من الظنون الَّتي لم يثبت حجيتها شرعا وهو المدعى ومن الظاهر أن هذا التأويل أولى لوجوه أحدها أنه تخصيص ولا كذلك حمل لفظ الظن على الشك فإنه على تقدير صحته مجاز ومن الظاهر أن التخصيص أولى من المجاز وثانيها أن الحمل على الشك لا يخرج الآية الشريفة عن مخالفة الإجماع أيضا لأن كثيرا من الأسباب الشرعية التي لا تفيد العلم ولا الظن بالواقع معتبرة شرعا كيد المسلم وشهادة العدلين فيلزم تخصيصها من العموم فيلزم على هذا مجاز وتخصيص ومن المعلوم أن ارتكاب تخصيص واحد أولى من ارتكاب الأمرين وثالثها أن الظاهر من معظم المحققين اختيار التخصيص دون المجاز المذكور بل لم نجد أحدا من المفسّرين ولا من غيرهم لا عينا ولا أثرا صار إليه فتأمل السّادس أن الآية الشريفة لا تنهض بإثبات عدم حجية الظن الَّذي دل ظاهر الكتاب أو السّنة أو ظن آخر على حجيته كخبر الواحد بناء على دلالة آيتي النّبإ والنفر على حجيته كما عليه جماعة من محققي الأصوليين لوقوع التعارض بين الأمرين فيلزم الرجوع إلى المرجحات باعتبار الدلالة والسّند والخارج وهي قد تكون مع هذه الآية الشريفة وقد تكون مع معارضها فلا يجوز الاحتجاج بهذه الآية الشريفة على عدم حجية مطلق الظنون التي لم يقم القاطع على حجيتها وعدم حجيتها بالخصوص فتأمل السّابع ما ذكره جمال الدين الخوانساري فقال في جملة كلام له لا يبعد حمله على أن الظن لا يعارض الحق أي الثابت المعلوم ولا يمكن ترك الحق لأجله كما فعلوه وحينئذ فلا يفيد عدم جواز التمسك به مطلقا انتهى وفي مجمع البيان الحق هنا معناه العلم أي الظن لا يغني من العلم شيئا ولا يقوم مقام العلم وفي التفسير الكبير للرازي يعني إنما يدرك الحقّ الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم انتهى وفيه نظر الثامن أن إطلاق الآية الشريفة مقيد بالأدلة القطعية الدالة على أصالة حجية الظن في نفس الأحكام الشرعية والمطالب اللغوية على أن الحكم المستفاد من الظن الذي قام الدليل القاطع على حجيته لا يكون مظنونا بل يكون مقطوعا لأن الظن في طريق الحكم لا في نفسه ولذا قيل إن ظنية الطريق لا ينافي علميّة الحكم وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي الذريعة ليس يجوز أن يعتمد في إبطال القياس على ظواهر الكتاب التي تقتضي إبطال القول بغير علم مثل قوله تعالى ولا تقف وأن تقولوا إلى آخره لأن من ذهب إلى القياس يستند قوله إلى علم وهو دليل العبادة بالقياس وإنما يجعل الطريق إلى هذا العلم لا الظن وفي العدة فعلق من أبطل القياس بقوله تعالى ولا تقف إلى آخره وأن تقولوا إلى آخره وللمخالف أن يقول ما قلنا بالقياس إلا بالعلم وعن العلم فلم يخالف ظاهر الكتاب وإنما ظننتم علينا أن نعلق الأحكام بالظنون وليس يعقل ذلك بل الحكم عنده معلوم وإن كان الطريق إليه الظن على الوجه الَّذي بيّناه في العقليات وفي النهاية اعترض بأن الدلالة لما دلت على وجوب العمل بالظن المستند إلى القياس صار كأن اللَّه تعالى قال مهما ظننت أن هذه الصورة تشبه تلك الصورة في علة الحكم فاعلم قطعا أنك مكلف بذلك وحينئذ يكون الحكم معلوما لا مظنونا البتة وفي الأحكام الجواب أنا نقول بموجب الآيتين وذلك لأنا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند ظننا به فحكمنا بكونه معلوم الوجوب لنا بالإجماع لا أنه غير معلوم وفي شرح ابن الروزبهان ثم إن المجتهد لا يعمل بالظن لأن العمل بالظنون واجب والظن في الطريق كما حقق في موضعه انتهى وأورد على هذا في النهاية وإحقاق الحق ففي الأول بعد ما حكينا عنه سابقا وفيه نظر لمنع دلالة الأدلة على العمل بالقياس ونمنع قطعية الحكم والمشابهة لقوله متى ظننت الحكم فقد أوجبته وإلا لكانت تابعة للظنون لا للمصالح وهو باطل بل كما أن الحكم مظنون كذا وجوب العمل بهذا الظن وفي الثاني أن ما ذكره من أن المجتهد لا يعمل بالظن إلى آخره مدخول بأنه لو تم ذلك لدل على أن المعلوم المقطوع به وجوب العمل بما غلب على ظن المجتهد وهو غير المطلوب إذ لا يلزم من القطع بوجوب العمل بما غلب على الظن حصول العلم القطعي بما غلب على الظن والكلام فيه لا في الأول فإن قيل المراد من العلم بالأحكام