السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
453
مفاتيح الأصول
في بيان حكم آخر كما حققناه في محل آخر فلا يبعد أن يقال إن العبرة فيها بخصوص السبب وإنها لا تفيد العموم حينئذ كما هو الأصل ولئن تنزلنا فلا أقلّ من التوقف في الحكم بأحد الأمرين ومعه أيضا لا يمكن الحكم بالعموم كما لا يخفى سلمنا أن المطلق حكمه حكم العام في أن خصوص السبب لا عبرة به بل المعتبر هو عموم اللفظ ولكن الظاهر أن حرف التعريف في قوله تعالى إن الظن إلى آخره للعهد الخارجي لتقدم نكرة مبهمة يمكن الإشارة إليها به وهو قوله تعالى إلا ظنا وقد تقرر أن المفرد المحلى باللام إذا سبقه نكرة فالأصل فيه أن يكون حرف التعريف للإشارة إلى تلك النكرة كما في قوله تعالى فعصى فرعون الرسول سلمنا ولكن نقول لا شك أن ظاهر الآية الشريفة من العموم مما لا يمكن المصير إليه للقطع بحجية ظنون كثيرة في نفس الأحكام الشرعية وفي المطالب اللغوية وفي الموضوعات الصرفة فيدور الأمر بين الحمل على العهد الخارجي وبين ارتكاب تقييدات كثيرة ولا ترجيح فيجب التوقف ومعه يسقط الاستدلال بالآية الشريفة على المدعى لا يقال يدور الأمر حينئذ بين التقييد والمجاز لأن حمل حرف التعريف على العهد الخارجي مجاز وقد تقرر أن التقييد أولى من المجاز حيثما يدور الأمر بينهما فيتجه الاحتجاج بالآية الشريفة على المدعى إلا على القول بأن العام المخصص ليس حجة وهو قول ضعيف في الغاية فلا يجوز المصير إليه لأنا نقول لا نسلَّم أن الحمل على العهد الخارجي مجاز لاحتمال كون حرف التعريف مشتركا لفظيا بين الجنس والاستغراق والعهد الخارجي والعهد الذهني كما ذهب إليه بعض المحققين من الأصوليين فيما حكي وعلى هذا فلا شبهة في أن الحمل على العهد الخارجي أولى من ارتكاب التقييد لأنه مخالف للأصل بالاتفاق ولا كذلك حمل المشترك على بعض معانيه على القول بإجماله كما هو التحقيق الذي صار إليه المعظم سلمنا أن الحمل على العهد الخارجي مجاز ولكن لا نسلَّم مرجوحية بالنسبة إلى هذا التقييد لكثرته مع عدم قيام دليل على أن مطلق التقييد أولى من مطلق المجاز فتأمل الرابع ما ذكر في جملة من الكتب ففي النهاية في مقام الجواب عن الاحتجاج بالآيات الشريفة على منع العمل بالظن وأيضا فإنه مخصوص بالفتوى والشهادة وفي مقام آخر منه النهي عن اتباع الظن ليس بعام للعمل به في الفتوى والشهادة وإخبار القبلة وفي التهذيب في المقام المذكور الجواب النهي عن اتباع الظن ليس بعام للعمل به في الفتوى والشهادة وإخبار القبلة والطهارة وفي المنية الجواب النهي عن اتباع الظن ليس عاما لوجوب العمل به في الفتاوى والشهادات والأمور الدنيوية إجماعا ثم اعترض على ذلك فقال وفيه نظر فإن عدم عموم النهي عن اتباع الظن لا يستلزم جواز العمل به في صورة معينة إلا إذا علم أنها غير مندرجة تحت النهي عنه والظن الحاصل في الأمور المذكورة خارج عنه لتحقق الإجماع على جواز العمل به فيبقى ما عداه في حيّز الاحتمال ( الإجمال ) انتهى وقد يقال إن الإيراد المذكور إنما يتجه على القول بأن العام المخصص حجة في الباقي وأما على القول بأنه ليس حجة في الباقي كما ذهب إليه جماعة فلا بل يكون الجواب المذكور متجها نعم المجيب وهو العلَّامة لم يذهب إلى هذا القول بل مذهبه أن العام المخصص حجة في الباقي كما هو مختار المعظم فلا يصحّ هذا الجواب منه إلا أن يكون مقصوده إلزام القائل بهذا القول ولكنه بعيد ولعل مراده هو أن عموم الآية الشريفة مخصوص بخصوص الفتوى والشهادة وإخبار القبلة فليس فيها عموم يشمل محلّ البحث وهذا بيان ظاهر من بعض عبارات النهاية لكن الجواب على هذا التقدير يكون دعوى مخالفة للأصل يحتاج إلى دليل معتبر فإذا لم يظهر لم يكن صحيحا ومن الظاهر أن مجرد خروج الأمور المذكورة من عموم الآية الشريفة لا يستلزم حمله عليها فعلى من يدعي اختصاصه بها إقامة الدليل عليه ومجرد احتماله لا يكون مجديا لاندفاعه بالأصل السّليم عند معظم المحققين من أن تخصيص العام لا يخرجه عن الحجّية بالنسبة إلى ما لم يثبت تخصيصه وبالجملة الجواب المذكور غير مفيد فتأمل إلا أن يقال إن مراده بيان أن ظاهر الآية الشريفة لا يمكن إبقاؤه على حاله فيجب ارتكاب التأويل فيه وهو غير منحصر في ارتكاب التخصيص الذي يصح معه الاستدلال على المدعى لإمكانه بوجوه أخر من تجوز أو إضمار بحيث لا يصح معها الاستدلال على المدعى وقد تقدم إلى هذا الإشارة الخامس ما ذكره ابن الروزبهان من أن المراد من الظن هنا التردد والشك لا معناه المتعارف المبحوث عنه وفيه نظر كما أشار إليه القاضي نور اللَّه نوّر اللَّه ضريحه في إحقاق الحق فقال بعد الإشارة إلى العبارة الَّتي حكينا عنه سابقا أقول كأنه يتكلم النّاصب هنا على لسان أول من قاس حيث أتى بما لا يحصى من الوسواس أما أولا فلأنه قد حقق في كتب الأصول أن الظن إنما يطلق في عرف الشرع على الاعتقاد الراجح الَّذي يجوز معه النقيض ومرجوحه الوهم والشك تساوي الاعتقادين مع خطورهما بالبال فهي معان متقابلة كما لا يخفى فيكون ما ذكره النّاصب من أن المراد بالظن في الآيات المذكورة الشّك والتردد افتراء على اللَّه تعالى وعلى عرف الشرع وبهذا ظهر أيضا أن أقوالهم له العلم الراجح لا محصل له وإنما قصد به بذلك التلبيس الذي ما يروح إلا على أمثاله المسخرين لإبليس لعنه الله انتهى وقد يورد عليه أن ابن الروزبهان ليس مقصوده أن الظن في الآية