السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

452

مفاتيح الأصول

جملة من الآيات القرآنية أحدها قوله تعالى في سورة يونس وما يتبع أكثرهم إلَّا ظنا إنّ الظن لا يغني من الحق شيئا وقد تمسّك بهما على عدم جواز العمل بالقياس في المعارج والنهاية والتهذيب ونهج الحق والمبادي والمنية وعلى عدم جواز العمل بخبر الواحد في المعارج والمعتبر وزبدة البيان للأردبيلي رحمه الله ويدل على عدم الأخذ بالظنّ مطلقا مع القدرة على العلم وما يتبع الآية ثم قال وقد يتوهّم من ظاهر الآية أنّها تدلّ على المنع من العمل بالظن واتباعه مطلقا لظاهر قوله تعالى إنّ الظن لا يغني من الحق شيئا فإن المتبادر منه عمومه وإن كان مفردا محلى باللام وليس للعموم على الظاهر وإن كان الكلام مع الكفار بالنسبة إلى المعتقدات بل أصول الدين ورفع الظن في مثل ذلك فلا يجوز العمل والتعويل إلا مع دليل أقوى أو مساو دلالة على الجواز من دلالتها على المنع كما ثبت ذلك في المسائل الفرعية اجتهادا أو تقليدا انتهى وقد يناقش في ذلك من وجوه الأوّل أن الآية الشريفة وإن كانت قطعية السند إلا أنها ظنّية الدّلالة فلا يجوز التمسّك بها في هذا المقام أما أنها ظنية الدلالة فممّا لا إشكال فيه خصوصا على القول بعدم وجود قطعي الدّلالة في الألفاظ وأما أن اللازم من ذلك سقوط الاحتجاج بها هنا فلأن ظاهرها يقتضي عدم حجيّة ظاهرها وقد أشار إلى هذا جمال الدين الخوانساري فقال في جملة كلام له إذ يقال أنه لو وجب العمل بظاهر القرآن مطلقا لوجب العمل بهذه الظَّواهر أيضا ولو وجب العمل بهذه الظَّواهر لم يجز العمل بها وما يلزم من فرض وقوعه نقيضه فهو باطل انتهى وقد أشار أيضا إلى هذا العلامة في النهاية والآمدي في الأحكام والعضدي في شرح المختصر وقد يقال هذا إنّما يرد على من يتمسك بالآية الشريفة على عدم جواز العمل بالظَّن في الأصول والفروع مطلقا ولو كان من الكتاب وأمّا من اعترف بأن الظنّ الحاصل من الكتاب حجة قطعا وأراد الاحتجاج بالآية الشريفة على عدم جواز الاعتماد على غير الظنّ الحاصل من الكتاب كالظن الحاصل من القياس وخبر الواحد ونحوهما فلا ومن الظاهر أن الاحتجاج بالآية الشريفة في مسألتنا هذه من هذا القبيل فلا يمكن القدح فيه بما ذكر فتأمل الثاني أنا بيّنا أن الآية الشريفة لا تفيد إلا الظن وهو لا يكون حجة في هذه المسألة لأنها مسألة أصولية فلا يكون الظن فيها حجة ولو كان من الكتاب وقد أشار إلى هذا جمال الدين الخوانساري فقال في جملة كلام له إذ لا نسلم حينئذ قوله لوجب العمل بظاهر الآيتين المذكورتين لأنهما وقعتا في أصل كلَّي هو المنع من العمل بالظن مطلقا فلا نسلم وجوب العمل بظاهرهما انتهى وفيه نظر الثالث أن غاية ما يستفاد من الآية الشريفة هو المنع من العمل بالظَّن في أصول الدين الَّتي ذهب معظم الأصحاب إلى أنه لا يجوز فيها إلا العلم واليقين دون الظن والتقليد وليس فيها دلالة على المنع من العمل به في فروع الدين والمسائل الفقهية والموضوعات الصرفة والموضوعات الاستنباطية التي هي عبارة عن المطالب اللَّغوية فلو دل دليل على جواز العمل بالظَّن فيها كآية النبأ الدالة على حجية خبر الواحد كما زعمه جماعة لم يكن الآية الشريفة معارضة وقد أشير إلى ما ذكر في جملة من الكتب وفي النهاية إن الذم إنما هو على اتباع الظن في مسائل الأصول لأنه ذم الكفار لا في مسائل الفروع وفي المعالم على أن آيات الذم ظاهرة بحسب السوق في الاختصاص باتباع الظن في أصول الدين لأن الذم فيها للكفار على ما كانوا يعتقدونه وفي الزبدة النهي عن اتباع الظن إنما هو في الأصول لحكايته عن الكفار وفي الإحكام الجواب أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما تعبدنا فيه العلم جمعا بينهما وبين ما ذكرناه من الأدلة وفي شرح نهج الحق لابن الروزبهان الظن المذكور في القرآن لا يراد به العلم الراجح بل هو مرادف للتردد والشك والتخمين فلا تحقيق وإن أريد به العلم الراجح فهو منع الكفار عن العمل بظنهم في عبادة الأوثان وأنهم شفعاء عند اللَّه تعالى وهذا لا يمنع مطلق الظن والعمل به انتهى وقد يقال قوله تعالى إن الظن إلى آخره من الألفاظ الدالة على عموم الحكم لجميع أفراد الظن كدلالة قوله تعالى أحل اللَّه البيع وحرّم الربا على حلية كل بيع وحرمة كل ربا وذلك لأن المفرد المعرف باللام في أمثال المقام يفيد العموم أما على القول بكونه موضوعا له كما عن الشيخ والحنابلة فظاهر وأما على غيره فللدلالة الالتزامية العرفية أو لشهادة القرينة العقلية ولا يقدح في ذلك وروده في ذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المحل وفاقا لمعظم الأصوليين وقد أشير إلى ما ذكر في الحاشية الجمالية وإحقاق الحق ففي الأول لكن قوله تعالى بعد ذلك إن الظن الآية ظاهر في العموم فلا بد في الجواب من التمسك بما ذكره الشارح وفي الثاني لو سلمنا أن الآيات المذكورة وردت في شأن الكفار وعملهم بالظن في عبادة الأوثان كما اخترعه الناصب فلا يوجب هذا تخصيص الظن بذلك لما تقرر في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ لا بحصول السبب انتهى وفيه نظر فإن ما اشتهر بين الأصوليين من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مع كونه محل الخلاف بينهم يختص بالألفاظ الموضوعة للعموم كلفظ كلّ ومتى وأما الألفاظ المطلقة التي تفيد العموم ومن جملتها المفرد المحلى باللام فلا نسلم أن العبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب لأن دلالتها على العموم دلالة ضعيفة ليست كدلالة اللفظ الموضوع للعموم بالضرورة ولذا تنصرف إلى الفرد الشائع ولا تفيد العموم إذا