السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

443

مفاتيح الأصول

كانوا يخبرون في الموضوعات الصرفة تعويلا على الأسباب الشرعية فيقولون هذا ملك فلان تعويلا على أنه في يده من غير معارض وكذا يقولون إنه ابن فلان اعتمادا على الفراش أو شهادة العدلين وكذا يقولون هذا ظاهر استنادا إلى أصالة الطَّهارة وأمثال هذا كثير ومن المعلوم أن الأسباب الشّرعية لا تفيد العلم بالواقع ولا تقتضي المطابقة له والتخلف عنها كثير جدّا فيلزم الكذب في صورة المخالفة للواقع الواقعة كثيرا لأنا نقول هذا باطل أمّا أولا فللمنع من تحقق المخالفة فيما أخبر به النبي والأئمة عليهم السلام في الموضوعات الصّرفة اعتمادا على الأسباب الشّرعية المثبتة لها وإن كانت المخالفة في نفسها ممكنة إذ كل ممكن لا يلزم وقوعه وأما إجراء أحكام الإسلام على المنافقين الموجودين في ز منهم عليهم السلام والمعاملة معهم معاملة المسلمين فلا يستلزم الإخبار عن إسلامهم إذ فعل الشيء ليس خبرا ولو فرض أنهم أخبروا بصريح اللفظ عن إسلامهم وقالوا هذا مسلم مثلا فقد يقال لعلَّهم قيّدوا ذلك بلفظ أو ما يقوم مقامه من نحو الإشارة بما يخرجه عن الكذب فتأمل وأما ثانيا فلأن الإخبار بالأسباب الشرعية صدق لأن قوله هذا ابن فلان أو هذا ملك فلان أو هذا ظاهر موضوع لغة وعرفا لما حكم به في ظاهر الشريعة بالإبنية والملكية أو الطهارة وهو أعم من أن يكون في الواقع كذلك أو لا فيكون اللَّفظ موضوعا لمفهوم كلَّي ومستعملا في معناه الحقيقي المطابق للواقع وكل لفظ إذا استعمل في معناه الحقيقي وكان مطابقا للواقع كان صدقا وليس من الكذب في شيء بالضرورة سلمنا أن ذلك مجاز ولكن القرينة على إرادته موجودة وهي شاهد الحال كما في استعمالات أنفسنا فإن الاستعمال المذكور شائع من جميع المسلمين بل جميع المليين بل وجميع العقلاء والشاهد على ذلك أن أحدا لم يكذب أحدا من المعصومين عليهم السلام بذلك ولم يأخذ في ردّ ما تواتر عنهم من التبري من الكذب ذلك حجة عليهم مع كثرة رغبة الكفار والمعاندين والمخالفين الذين من جملتهم أهل الفضل والعلم والتدقيق والتحقيق في الاعتراض عليهم وردّ قولهم وبيان عيب لهم وما ذلك إلا لخروج المفروض عن حقيقة الكذب وعدم شموله لذلك بوجه من الوجوه وأيضا لو كان ذلك من الكذب لكان الكذب واقعا من كل أحد في أغلب وهذا باطل بالضرورة ولا يقال قد صدر من الأئمة عليهم السلام أو أكثرهم التقية كثيرا وذلك تارة بالإخبار عن الأحكام الموافقة لمذهب المخالفين المخالفة للواقع والطريقة الحقة وهو عين الكذب غايته أنه صدر لضرورة فلم يكن قبيحا من هذه لكن الضرورة لم تخرجه عن مفهوم الكذب قطعا وصدور هذا القسم منهم عليهم السلام في غاية الكثرة وأخرى بتوصيف أشخاص بما لم يتّصفوا به في الواقع كتوصيفهم جملة من سلاطين الجور بأمير المؤمنين وذلك كذب قطعا ولكنه وقع لضرورة وقد بيّنا أن الضرورة لم يخرج الشيء عن حقيقته نعم يبدل القبح بالحسن وهو غير محل الكلام بل محل الكلام أصل صدور الكذب ولو لضرورة وقد ثبت بما ذكرنا الصدور فيلزم الحكم بجواز صدور الكذب منهم للضرورة أيّ ضرورة كان إذ الفرق لا وجه له وعلى هذا يشكل الاعتماد على إخبارهم لأن كل خبر يصدر منهم يحتمل كونه كذبا صدر لضرورة فيصير إخبارهم كإخبار سائر النّاس من غير مزية لأنا نقول ما صدر عنهم عليهم السلام من التقية بقسميها ليس من الكذب في شيء أما القسم الأول فلأن الأحكام الموافقة للتقية كوجوب غسل الرّجلين والمسح على الخفين أحكام واقعية وأحكام شرعية حقيقية إلا أنها مشروطة بالتقية والضرورة الخاصة كاشتراط وجوب الصّلاة قصرا وترك وجوب القيام فيها مثلا بالسفر وعدم التمكن من القيام فيها وليست أحكاما غير معتبرة أصلا ولا أحكاما ظاهرية كالأحكام المترتبة على ظن المجتهد ولذا لا توصف تلك الأحكام بالخطإ أصلا فهي صواب واختلاف الأحكام الشرعيات الفرعية باختلاف الموضوعات والشروط والاعتبارات غير عزيز ثم لو تنزلنا وجعلنا هذا القسم من الكذب وجوّزناه لارتفاع قبحه باعتبار الضرورة فلا يلزم منه عدم جواز الاعتماد على جميع أخبارهم عليهم السلام للعلم بانتفاء الضرورة المسوّغة لهذا القسم من الكذب في أكثر الأخبار ومع هذا لا يحتمل صدور الكذب لاتصافه بالقبح حينئذ وهو ممّا يستحيل صدوره عنهم عليهم السلام لقاعدة العصمة وأما الأخبار المشتبهة فيمكن أن يدعى أن الأصل فيها عدم الكذب كما أن الأصل عدم التقية ولكن هذا لا ينفع في مقام تحصيل العلم وإن كان العمل به مقطوعا فتأمل وأما القسم الثاني فلاحتمال كون التوصيف المذكور على وجه يوجب خروجه عن الكذب كما إذا وقع على وجه التورية أو اقترن بقرينة يخرجه عن الكذب وذلك كلَّه على تقدير تسليم صدور ذلك منهم وأمّا إذا منع ذلك فلا إشكال أصلا ودلالة بعض أخبار الآحاد على الوقوع فلا ينهض حجة للمنع من حجية أخبار الآحاد مطلقا في أمثال هذه المسائل فتأمل الرابع العلم الحاصل من خبر اللَّه تعالى وخبر النبي صلى الله عليه وآله وخبر الأئمة عليهم السلام كسبي لا ضروري كما صرّح به في الغنية والمعارج والتهذيب والبداية وشرحها وغاية المأمول مفتاح عدّ من الأخبار المعلومة الصدق جملة من الأخبار أحدها الخبر المتواتر وقد صرّح بهذا في الغنية والمعارج والتهذيب والمبادي وشرحه لفخر الإسلام والبداية وشرحها وغيرها ولا فرق في ذلك بين التواتر اللفظي والمعنوي كما صرّح به في التهذيب والبداية وشرحها وصرحت أيضا بأن العلم الحاصل منه كسبي وقيل إنه ضروري وثانيها الخبر الذي علم وجود مخبره ضرورة أو اكتسابا وقد صرّح بهذا في الذريعة والغنية والمعارج والتهذيب والمبادي وشرحه لفخر الإسلام والبداية وشرحها وغيرها قال في الذريعة مثال بغير خلاف خبر من أخبرنا بأن السماء فوقنا والأرض تحتنا وصرّح بهذا المثال في الغنية أيضا ومثل في شرح البداية بوجود مكَّة زادها اللَّه تعالى شرفا وثالثها الخبر الذي اجتمعت عليه جميع الأمة كما في الإخبار بوجوب الصّلاة والزكاة ونحو ذلك وقد صرّح بهذا في الذريعة والعدّة والغنية والمعارج والنهاية والمبادي وشرحه لفخر الإسلام والبداية وشرحها والإحكام والمحكي عن الرازي وغيره وبالجملة إنه مما اتفق عليه محققو المسلمين من الخاصة والعامة ولهم وجهان أحدهما