السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

442

مفاتيح الأصول

صدق لدلالة المعجزة عليه وفي التهذيب خبر النّبي صلى الله عليه وآله صدق لأن المعجزة دلت على صدقه وإلا لزم الإغراء بالقبيح وعدم الفرق بين النّبي والمتنبي ولا يتأتى شيء من ذلك على قواعد الأشاعرة وإنّما يتم على مذهبنا وفي النهاية واحتج الغزالي بأن المعجز يدلّ على صدقه مع استحالة ظهوره على يد الكذابين إذ لو أمكن لعجز اللَّه تعالى عن تصديق رسوله ثم قال واعترض بأنه إن كان اقتداره تعالى على إظهار المعجز على يد الكاذب مستلزما لعجزه عن تصديق الرسول فكذا يلزم من الحكم بعدم اقتداره عليه عجزه فلم كان بقي أحد المعجزين عنه أولى من الآخر وأيضا إذا فرضنا أنه تعالى قادر على إقامة المعجز على يد الكاذب فمع هذا الفرض إن أمكن تصديق الرّسول وإن لم يمكن فلا عجز إذ العجز بما هو عما يصح أن يكون مقدورا في نفسه ولهذا لا يوصف بالعجز عن خلق مثله تعالى وأيضا إذا استحال أن يقدر اللَّه تعالى على تصديق الرسول إلا إذا استحال منه إظهار المعجز على يد الكاذب وجب أن ينظر أولا أن ذلك هل هو محال أم لا وأن لا يستدل باقتداره على تصديق الرّسول صلى الله عليه وآله على عدم قدرته على إظهار الكاذب لأن ذلك تصحيح الأصل بالفرع فهو دور وأيضا التأمل يعطي إمكانه فإن قلت الفصاحة لما كان مقدورا له تعالى وممكنا في نفسه ولم يقبح منه فعله في شيء من الأوقات وشيء من الحسيات فلو قال زيد يا رسول الله وكان كاذبا لم يخرج عن القدرة ولم ينقلب الممكن ممتنعا سلمنا لكن المعجز يدل على صدقه في ادعاء الرسالة فقط إذ في كلما يخبر عنه ممنوع بيانه أنه إذا ادعى الرسالة أقام المعجز كان المعجز دالا على صدقه فيما ادعاه وهو الرسالة لا في غيرها نعم لو ادعى صدقه في كلّ شيء ثم ظهر المعجز الصدق له ثبت عموم على صدقه فالدّليل المذكور يتوقف على عموم الدّعوى واقترانه بالمعجز وذلك لا يكفي فيه قيام المعجز على ادعاء الرسالة خصوصا وقد اختلف العلماء في جواز الصغائر عليهم حتى جوز بعضهم الكبائر واتفق النّاس عدا الإمامية على جواز السّهو عليهم والحق أن هذه الدعوى إنما يتمشى على قواعد الإمامية انتهى وينبغي التنبيه لأمور الأول لا فرق فيما ذكر بين نبيّنا صلى الله عليه وآله وغيره من سائر الأنبياء عليهم السّلام سواء كان من أولي العزم أم لا كما صرّح به في شرح البداية لأن العصمة المنافية لصدور الكذب ثابتة في الجميع الثاني يلحق بنبينا صلى الله عليه وآله جميع الأئمة الاثني عشر عليه السلام القائمين مقامه وقد صرّح بذلك في العدّة والمعارج والتهذيب والمبادي وشرحه لفخر الإسلام والبداية وشرحها وغيرها ولهم ما تضمّنه كلمات جماعة من الأصحاب ففي العدة قال السيّد المرتضى في الذخيرة والقول في إخبار الإمام عليه السلام القائم مقامه كالقول في إخباره صلى الله عليه وآله لأن الدّليل الدال على وجوب عصمته آب من وقوع القبح وفي ذلك أمان من أن يكون خبره عليه السلام كذبا وفي المبادي وشرحه لفخر الإسلام خبر الإمام صدق لاعتقادنا عصمته ثم قالا خبر الأئمة عليهم السلام صدق لأنهم معصومون وفي شرح البداية خبر الإمام عندنا صدق للعصمة المعتبرة فيهم بالدليل أيضا الثّالث لا يصدر الكذب عن النبي صلى الله عليه وآله ولا عن واحد من الأئمة عليهم السلام لا عمدا ولا سهوا ولا جهلا ولا نسيانا ولا في الكبر ولا في الصغر وبالجملة لا يقع منهم في شيء من الحالات لا يقال إن المنشأ في عدم صدور الكذب منهم عليهم السلام ليس إلا كونه قبيحا وإن كلّ قبيح لا يصدر منهم لوجوب عصمتهم عن كلّ قبيح وهذا الوجه يختص ببعض أقسام الكذب وهو الكذب القبيح لا مطلقا إذ من البيّن أن الكذب قد يكون قبيحا وهو الكذب الضّار وقد يكون حسنا وهو الكذب الدافع للضرر بل قد يبلغ حسن الكذب إلى حد الوجوب كما إذا توقف حفظ النّفس عن التلف فالنسبة بين القبيح والكذب العموم والخصوص من وجه كالسّواد والحلاوة كما أن النسبة بين الحسن والصدق كذلك سواء قلنا بأن الحسن والقبح ذاتيان بالنسبة إلى الأفعال الاختيارية أم لا بل هما بالاعتبارات والحيثيات الخارجية كما لا يخفى فعلى هذا لا يجوز الحكم بامتناع صدور الكذب منهم عليهم السلام بل من اللَّه تعالى على الإطلاق لأن ما هو حسن من أفراد الكذب سواء كان بالذّات أو بالعارض لا دليل على امتناعه لاختصاص الوجه المستدل به على الامتناع ببعض الأفراد وهو القبيح منه ويلزم مما ذكر أن لا يقطع بصدق خبر من أخبارهم لاحتمال كون كلّ واحد منها من القسم الحسن وعدم علمنا بجهة الحسن لا يقتضي الحكم بعدمها في الواقع بالضرورة لأنا نقول الكذب وإن كان بالنسبة إلى مجموع الخلق ينقسم إلى حسن وقبيح إلا أنه بالنسبة إلى هذا الصنف الخاص وهو من اتصف بالنبوة أو الإمامة ينحصر في القبيح فيكون الصفتان موجبتين لقبحه على الإطلاق كما أن الضرر موجب لقبح الكذب الضّار على الإطلاق أو يقال هاتان الصفتان مانعتان من تأثير أمر خارجي في رفع قبح الكذب وبالجملة يقطع مع الصفتين بقبح الكذب على الإطلاق كما يقطع بقبح الكذب من اللَّه سبحانه على الإطلاق وبالجملة المدرك لقبح الكذب وهو العقل إنما أدركه على هذا التفصيل فكلّ من يقول بالحسن والقبح العقليين يلزمه ومن أنكرهما رأسا فليس كلامنا معه هنا توضيح هذا المطلب أنه لا شكّ ولا شبهة في أن الأفعال بذواتها وأنفسها كما يكون لها تأثيرا في الاتصاف بصفتي الحسن والقبح كذلك لصفات الفاعلين تأثيرا في ذلك فالرسالة والإمامة اللتان هما من أجل الصفات بعد الإلهية وأعظمها لكونهما محل الأمانات الكلَّية والرّئاسات الأصلية يوجبان منع اتصاف الكذب بالنسبة إلى صاحبهما بصفة الحسن بوجه من الوجوه واعتبار من الاعتبارات لاشتماله دائما على أمرين خسيسين رذيلين أحدهما الدّناءة الذاتية المنافية للعصمة الواجبة في الرسول والإمام وثانيهما الخيانة المنافية للرّئاسة العامة وبالجملة العقل يحكم بقبح صدور الكذب من الرسول والإمام في جميع الحالات حتى في حالة السّهو والنسيان والغفلة والحجة في ذلك الوجدان العقلي مضافا إلى أدلة وجوب العصمة ولذا استند إليها محققو أصحابنا في دعوى عدم جواز صدور الكذب عن النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام ويؤيد ذلك أن صدور الكذب عنهما لو كان ممكنا لوقع ولو نادرا ولو وقع لأخذه الكفار والمخالفون منقصة عليهم واحتجوا به عليهم لا يقال إن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم