السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
440
مفاتيح الأصول
ونمنع الكذب في صورة المخبر عن ظن مع عدم المطابقة وإن لم يستحق الذم وكذا يمنع الصّدق مع المطابقة وإن لم يستحق الذّم ومنها أن أكثر العمومات والمطلقات مخصّصة ومقيدة فلو كان الخبر الذي لا يطابق الواقع كذبا تطرق الكذب إلى كلام الشارع وأجاب عنه في النهاية أيضا فقال وحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد وإن لم يكن محمولا على ظاهره ليس بكذب لأنه محمول على مجازه معدول به عن حقيقة والمجاز ليس بكذب ومنها أن بين العلم والجهل المركب واسطة في الاعتقاد وهي اعتقاد المطابقة فجاز أن يثبت بين الصدق والكذب واسطة في الخبر وأجاب عنه في النهاية أيضا فقال وأي ملازمة بين ثبوت الواسطة في الاعتقاد بين العلم والجهل المركب وبين ثبوتها في الخبر ولو كان التمثيل ذاتيا ليثبت الواسطة بين السّلب والإيجاب وبين كل قسمين أحاط بطرفي النقيض ثم قال والنزاع في هذه المسألة لفظي حيث أطلق بعضهم الكذب على كلّ خبر غير مطابق وخصّصه آخرون باشتراط الاعتقاد مفتاح قد عد من الأخبار المعلومة الصدق جملة من الأخبار ومنها خبر اللَّه عزّ وجلّ وقد صرّح بكونه معلوم الصّدق في الذريعة والعدة والغنية والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه لفخر الإسلام والبداية وشرحها وغاية المأمول والإحكام والمحكي في العدة عن الذخيرة للسيّد المرتضى وغيرها بل في النهاية اتفق الناس كافة على أن خبره تعالى صدق وإن اختلفوا في الدّلالة عليه انتهى وما ذكروه هو المعتمد ولهم وجوه أحدها ما حكاه في النهاية عن المعتزلة فقال أما المعتزلة فاحتجّوا عليه بأن الكذب قبيح بالضرورة واللَّه تعالى عالم بقبحه غني عنه حكيم في فعله فلا يصدر عنه بالضرورة انتهى وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي الذريعة ومما يلحق من الأخبار بما يعلم صدقه بدليل إخبار الله تعالى فإنا نعلم كونها صدقا من حيث علمنا أنه تعالى لا يختار الكذب لعلمه بقبحه وبأنه غني عنه كما لا يفعل سائر القبائح وفي الذخيرة فأما خبر اللَّه تعالى فإنما يعلم صدقه إذا علم أنه لا يلغو في إخباره ولا يريد به غير ظاهره ولا يدل عليه ولا يجوز الكذب عليه ولا يعلم ذلك من حاله إلا من علم أنه عالم بقبح القبيح وغني عن فعله وأنه إذا كان كذلك لا يجوز أن يختار القبيح وفي التهذيب خبر اللَّه تعالى صدق وهو ظاهر عندنا إذ الكذب قبيح ضرورة واللَّه تعالى منزّه عن القبائح فلا يصدر عنه وفي شرح المبادي لفخر الإسلام خبر اللَّه تعالى صدق وهو ظاهر على قولنا لأنه غني عن الكذب حكيم في أفعاله عالم بكل معلوم فاستحال وقوع الكذب منه وفي شرح البداية خبر اللَّه تعالى صدق لقبح الكذب عليه بالاستدلال انتهى ونقل في النهاية عن بعض الاعتراض على هذا الوجه فقال بعد الإشارة إليه اعترض بأن البحث عن امتناع الكذب عليه تعالى موقوف على تصور الكذب لتوقف التصديق على التصور فإن كان المراد منه الكلام الذي لا يطابق المخبر عنه في الظاهر بحيث لو أضمر فيه زيادة أو نقصان صحّ لم يمكن الحكم بقبحه وبامتناعه تعالى لأن أكثر العمومات مخصوص وإذا كان كذلك لم يكن ظاهر العموم مطابقا للمخبر عنه وكذا الحذف والإضمار فإنه واقع في كلامه تعالى بل في أوله فإن من الناس من قدم المضمر في بسم اللَّه الرحمن الرحيم ومنهم من أخره وكذا قالوا في الحمد للَّه ربّ العالمين معناه قول الحمد للَّه ربّ العالمين واتفقوا على حسن المعارض ومعناها الخبر الذي يكون ظاهره كذبا ويصدق عند إضمار شرط خاص أو قيد خاص وإن كان المراد الكلام الذي لا يكون مطابقا ولا يمكن إضماره فإنه يصير مطابقة بما فيه فهو قبيح بتقدير الوقوع لكنه غير ممكن الوجود لأنه لا خبر يفرض كذبه إلا وهو بحيث لو أضمر فيه شيء صدق فيرتفع الأمان عن ظواهر الكتاب والسّنة لا يقال لو كان مراده تعالى غير ظاهر لوجب أن يبينه وإلا كان ملتبسا ولأنا لو جوّزنا ذلك انتفت الفائدة في كلامه تعالى فيكون عبثا وهو غير جائز لأنا نقول إن عنيت بالتلبس أنه تعالى فعل ما يحتمل إلا التلبس والتجميل فهو غير لازم لأنه تعالى قرّر في عقول المكلَّفين أن اللفظ المطلق جاز أن يذكر ويراد به المقيد بقيد غير مذكور معه ثم أكده بأن بيّن للمكلف وقوعه في أكثر الآيات والأخبار فقطع المكلف بمقتضى الظاهر حال من نفسه لا من قبله تعالى حيث قطع إلا موضع القطع كما في إنزال المتشابهات فإنها موهمة للجهل إلا أنها لما احتملت غير الظواهر الباطلة كان القطع بإرادتها جهلا وتقصيرا من المكلف لا تلبيسا منه تعالى والعبث ممنوع فإنا لو ساعدنا على أنه لا بد له تعالى في كل فعل من غرض لكن نمنع أنه لا غرض من تلك الظواهر إلا فهم معانيها الظاهرة كما أن الغرض من إنزال المتشابهات ليس فهم ظواهرها بل أمور أخر فيجوز هنا كذلك لا يقال جواز المتشابهات مشروط بأن الدّليل قائم على امتناع ما أشعر به ظاهر اللَّفظ فما لم يتحقق هذا الشرط لم يكن إنزال المتشابه جائزا لأنا نقول معلوم أن إنزال المتشابه غير مشروط بأن يكون الدليل المبطل للظواهر معلوما للسامع بل هو مشروط بوجود الدليل مبطل لذلك الظاهر لم يكن إجراؤه على ظاهره ثم لا يكفي في العلم بعدم الدليل المبطل للظاهر عدم العلم بهذا الدليل فإنه لا يلزم من عدم العلم العدم وإذا كان كذلك فلا ظاهر لسمعه إلا ويجوز وجود دليل عقلي يمنع من حمله على ظاهره ومع هذا التجويز لم يبق الوثوق بشيء ثمّ أجاب عن هذا الاعتراض فقال وليس بجيّد لأن المراد بالكذب الإخبار بما لا يكون مطابقا مع إرادة ما دل اللفظ عليه ظاهرا وتقدير الزيادة والنقصان لا يخرجه عن الكذب مع عدم إرادته وإن كان جائزا وكذا التلبيس المراد به فعل ما يحصل معه التلبيس بقصد التلبيس وإن احتمل غيره إذا لم يكن مرادا ونحن لا ننازع في إنزال المتشابهات لما علم أن ظاهرها مقصود له انتهى والتحقيق أن يقال إن ارتكاب خلاف ظاهر اللَّفظ بالتجوز والتخصيص والتقييد والنسخ والإضمار وإرادته ليس من الكذب في شيء لوجوه منها أنه يصح سلب اسم الكذب والكاذب عن التجوز والمتجوز ونحوهما وذلك دليل على أنها ليست من إفراد الكذب الحقيقة لأن صحة السّلب من دلائل المجاز وأما مجرّد الاستعمال على تقدير تسليمه فليس أصلا في الدّلالة على الحقيقة وفاقا للمعظم سلَّمنا الدّلالة ولكن صحة السّلب في الدّلالة