السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

439

مفاتيح الأصول

وإن كان قادرا عليه انتهى الثاني عشر قال في النهاية وغاية البادي شرط بعضهم الإسلام والعدالة لأن الكفر عرضة للكذب والتحريف والإسلام والعدالة ضابطة الصدق وزاد في الأول فقال ولهذا اعتبر إجماع المسلمين دون غيرهم ولأنه لو وقع العلم عند إخبار الكفار لوقع عند إخبار النصارى مع كثرتهم عن قتل المسيح وصلبه ثم ضعّف هذا القول فقال وهو غلط فإن العلم قد يحصل عند خبر الكفار إذا عرف انتفاء الدّاعي إلى الكذب كما لو أخبر أهل بلد كافرون بقتل ملكهم والإجماع اختص بالمسلمين عند بعضهم لاستفادته من السّمع المختص بالإجماع من المسلمين وإخبار النصارى غير متواتر لقلَّتهم في المبدإ وصرّح بضعفه في التهذيب كما صرّح في غاية البادي والمستصفي ففي الأول وهذا ضعيف فإنا نعلم قطعا أن أهل قسطنطنية لو أخبروا بقتل ملكهم لحصل لنا العلم وليس ذلك إلا لأن الكثرة مانعة عن التواطي على الكذب لا الإسلام والعدالة وفي الثاني شرط قوم أن يكونوا أولياء المؤمنين وهو فاسد إذ يحصل العلم بقول الفسقة والمرجئة والقدرية بل بقول الرّوم إذا أخبروا بموت ملكهم الثالث عشر قال في النهاية شرطت اليهود أن يكون مشتملا على إخبار أهل الذلَّة والمسكنة ليؤمن على الكذب ثم ضعفه فقال وهو غلط فإنا نجد العلم حاصلا عقيب إخبار الأكابر والمعظمين والشرفاء أكثر من حصوله عقيب خبر المساكين وأهل الذلَّة لرفع أولئك عن رذيلة الكذب لئلا يعلم شرفهم انتهى وصرّح بذلك في غاية البادي فقال شرطت اليهود أن يكون المخبرون مشتملين على الأذلاء والمساكين وغرضهم بذلك رفع تواتر النصارى والمسلمين في معجزات عيسى عليه السلام ونبيّنا صلى الله عليه وآله لأنهم أذلاء لم يدخلوا في المتواترين وهو ضعيف لأنا نجد من الجزم بخبر الأكابر والشرفاء إذا حصلت الشرائط المذكورة وإن لم يشتملوا على الأذلاء الرابع عشر قال في النهاية شرط ابن الراوندي وجود المعصوم فيهم لئلا يتفقوا على الكذب ثم صرّح بضعفه فقال وهو غلط لأن المفيد للعلم حينئذ قول المعصوم ولا عبرة بغيره انتهى وصرّح بضعفه أيضا في التهذيب وغاية البادي وكذا صرح بضعفه في المستصفي فقال شرط الروافض أن يكون الإمام المعصوم من جملة المخبرين وهذا يوجب العلم بأخبار الرسول إذ ليس فيهم معصوم وأن لا يلزم حجة الأنام إلا على من شاهده من أهل بلده وسمع منه دون سائر البلاد وأن لا يقوم الحجة بقول أمرائه ورسله وقضاته ونوابه إذ ليسوا معصومين وألا يعلم موت أمير وقتله ووقوع فتنة وقتال في غير مصر وكل ذلك لازم على هذيانهم الخامس عشر قال في المستصفي شرط قوم أن يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار وهذا باطل لأنهم إن حملوا على الكذب لم يحصل العلم لفقد الشرط وهو الإخبار عن العلم الضروري وإن صدقوا ولو أن أهل بغداد حملهم الخليفة بالسّيف على الإخبار عن مجسّس شاهدوه وشهادة كتموها فأخبروا حصل العلم بقولهم فإن قيل هل يتصور عدد يحصل العلم إذا أخبروا عن اختيار ولا يحصل إذا أخبروا عن إكراه قلنا أحال القاضي ذلك من حيث إنه لم يجعل للقرائن مدخلا وذلك غير محال عندنا فإنا بيّنا أن النّفس تشعر بأن هؤلاء على كثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع ثم يصدق فإذا ظهر كون السّيف جامعا لم يبعد أن لا يحصل العلم مفتاح اعلم أن الخبر ينقسم باعتبارات عديدة فتارة يقال الخبر إما متواتر أو آحاد وتارة يقال الخبر إما أن يعلم صدقه أو كذبه أو يحتمل الأمرين وقد صرّح بهذه القسمة في النهاية والتهذيب والمبادي وشرحه لفخر الإسلام والمعارج والبداية وشرحها وغاية المأمول وتارة يقال الخبر إما صدق أو كذب وقد صرّح بهذا في النهاية فقال اعلم أن الخبر ينقسم ثلاثة أنواع الأوّل انقسامه إلى الصدق والكذب الثاني إلى التواتر والآحاد الثالث إلى ما يعلم صدقه وما يعلم كذبه وما يجهل فيه الأمران وهذه متداخلة وقد أطبق المحققون كافة على أن القسمة إلى الصدق والكذب وأنه لا ثالث لهما لأن الخبر إما مطابق للمخبر عنه أو لا والأول الصدق والثاني الكذب ثم قال احتج الجمهور باتفاق الأمة على تكذيب اليهود والنصارى مع أنا نعلم أن فيهم من لا يعلم فساد تلك المذاهب ثمّ قال واعترض بأن أدلَّة الإسلام لما كانت قوية جليلة الإحرام اشتبهت حالهم حال من يخبر عن الشيء مع العلم بفساده وحكي عن الجاحظ أنه ذهب إلى منع الحصر وثبوت الواسطة بين الأمرين وله وجوه منها قوله تعالى أفترى على اللَّه كذبا أم به جنّة فإنه يدلّ على أن الكفّار حصروا دعوى النبوة في الكذب والجنّة وليس إخباره بالنبوة حالة الجنون كذبا لأنهم جعلوها في مقابلة الكذب ولا صدق لأنهم لا يعتقدون صدقه فيكون ذلك واسطة بين الصّدق والكذب وفيه نظر أما أوّلا فلأن غاية ما ثبت من ذلك أن طائفة من الكفار زعموا ثبوت الواسطة وهو ليس بحجة وحكاية اللَّه عز وجلّ ذلك عنهم لا يفيد تقريرهم عليه حتى يكون هو الدليل على المدعى وأما ثانيا فلما ذكره في النهاية فقال والجواب الخبر هو الذي قصد به الإخبار والمجنون لا قصد له فصار كالساهي والنائم إذا صدر عنهما صيغة الخبر فإنه لا يكون خبرا وحيث لا يعتقدوا صدقه لم يبق إلا أن يكون كاذبا أو لا يكون مما أتى به خبرا وإن كان بصورة الخبر وأمّا ثالثا فلما ذكره في النهاية أيضا فقال وأيضا فإنه فيه نظر إلا أن الكذب أعمّ من افترائه فالافتراء أخصّ من نقيض الصدق الذي هو الكذب فكأن الصّورة الَّتي باعتبارها كان أعمّ في صورة الجنّة ومنها أن من أخبر عن حصول زيد في الدّار عن ظن ثم ظهر البطلان لم يحكم بكذبه في هذا الخبر ولا يستحق الذّمّ وليس صدقا لعدم المطابقة ولو أخبر عن حصوله في الدار مع اعتقاد أنه ليس فيها وكان فيها لم يوصف بالصدق ولا يستحق المدح وإن كان خبره مطابقا ولا بالكذب للمطابقة فعلم أن المطابقة وعدمها ليسا كافيين في الوصف بالصّدق والكذب بل لا بد من العلم والقصد وأجاب عن هذا في النهاية