السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

432

مفاتيح الأصول

ذلك الكلي مرويّا بالتواتر ويقول هؤلاء الرواة بأسرهم لم يكذبوا بل لا بدّ وأن يصدق واحد منهم فيصدق جزئي واحد من هذه الجزئيات المروية وأيّ جزئي ثبت أفاد الشجاعة وفي البداية التواتر المعنوي تواتر المدلول كالأخبار الدالة على شجاعة علي عليه السلام وكرم حاتم ونظائرهما فإن كل فرد خاص من تلك الأخبار الدالة على أن عليّا عليه السلام قتل فلانا وفعل كذا غير متواتر وكذا الأخبار الدالة على أن حاتما أعطى الفرس الفلانية والجمل والرمح وغيرها إلا أن القدر المشترك بينهما متواتر يدلّ عليه تلك الجزئيات المتعدّدة آحاد بالتضمن وعلى هذا ترك المرتضى ومن تبعه تواتر الأخبار الدالة على النّص وغيره إذ لا شبهة في أن كل واحد من تلك الأخبار آحاد وقد أومأ إلى ذلك في مسائله التبانيات وفي شرح المختصر إذا كثرت الأخبار في الوقائع واختلف فيها لكن كلّ واحد منها يشتمل على مشترك بينها بجهة التضمن أو الالتزام حصل العلم بالقدر المشترك ويسمّى المتواتر من جهة المعنى وذلك كوقائع حاتم فيما يحكى من عطاياه من فرس وإبل وعبر وترب فإنها تتضمن جوده فيعلم وإن لم يعلم بشيء من تلك القضايا بعينه وكوقائع علي عليه السلام في حروبه من أنه هزم في خيبر كذا وفعل في أحد كذا إلى غير ذلك فإنه يدلّ بالالتزام على شجاعته عليه السلام وقد تواتر ذلك منه وإن كان شيء من تلك الجزئيات لم يبلغ درجة القطع واعلم أن الواقعة الواحدة لا تتضمّن السّخاوة ولا الشجاعة ولا القدر المشترك الحاصل من الجزئيات وهو متواتر لا لأن أحدها صدق قطعا بالعادة انتهى وفي نهاية السئول للأسنوي التواتر قد يكون لفظيا وهو ما تقدم وقد يكون معنويّا وهو أن ينقل العدد الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة مشتملة على قدر مشترك كما إذا أخبر واحد بأن حاتما أعطى دينارا وأخبر آخر أنه أعطى جملا وأخبر آخر أنه أعطى شاة وهلم جرا حتى بلغ المخبرون عدد التواتر فتقطع بثبوت القدر المشترك لوجوده في كل خبر من هذه الأخبار والقدر المشترك هنا مجرد الإعطاء لا الكرم والجود لعدم وجوده مفتاح قد ذكروا للتواتر وإفادته للعلم شروطا كثيرة منها أن يبلغ المخبرون في الكثرة حدا يمتنع معه في العادة تواطؤهم على الكذب وهذا الشرط قد صرح به في المعارج والنهاية والمنية والزبدة والمعالم وغاية المأمول والإحكام وشرح المختصر وقد صرّح بدعوى الاتفاق عليه في النهاية والإحكام وشرح المختصر ولم يصرّح بهذا الشرط في التهذيب والمبادي وشرحه والبداية وكأنهم استغنوا عنه بالتعريف ومنها أن يستند علم المخبرين إلى الحس فلو استند إلى العقل كما في الإخبار عن حدوث العالم لم يفد قطعا وقد صرح بهذا الشرط في المعارج والتهذيب والنهاية والمبادي وشرحه والمنية والبداية والمعالم والزبدة والنهاية والمحصول والإحكام والمستصفي وشرح المختصر وقد صرّح بدعوى الاتفاق عليه في النهاية والإحكام وشرح المخصر وادعى في المستصفي أنه معلوم بالعادة ثم قال وإلا كان في قدرة اللَّه عز وجل أن يجعل ذلك سببا للعلم في حقنا وفي النهاية والمحصول الشرط الثاني إسناد المخبرين في الإخبار إلى الحسّ فلا يتحقق التواتر فيما لا يكون سنده الحس كالإخبار بأن العالم حادث لقضاء العادة بعدم حصول العلم بمثل ذلك وفي النهاية البادي يشترط أن يكون مستندا إلى الحسن لا إلى العقل إذ لو كان مستندا إلى العقل لكان المؤثر في حصول العلم هو العقل لا الخبر انتهى وقد يناقش فيما ذكروه أولا بأنه قد يحصل العلم من استناد خبر المخبرين الكثيرين إلى غير الحسّ وإلى العقل المحض من غير فرق بين الطبقة الأولى والطبقات الأخيرة نعم ربما يندرج هذا تحت الإجماع ولكنه غير قادح فيما ذكرناه فتأمل وثانيا إن الاستناد إلى الحسّ لو كان شرطا لما حصل التواتر حيث يخبر المخبرون الكثيرون من غير إشارة إلى المستند كما هو الغالب وهو باطل جدا وأصالة الاستناد إلى الحسّ لو سلمت غايتها حصول الظن لا العلم فتأمل وربّما يظهر من غاية المأمول أن هذا الشرط إنما يعتبر بالنسبة إلى غير الطبقة الأولى فإنه قال والمراد بالإسناد إلى الحسّ في غير الطبقة الأولى عند تعدد طبقات الأخبار عن إخبار جماعة انتهى ولم أجد هذا التقييد في كلام أحد من القوم غيره بل هم أطلقوا ذلك من غير تفصيل ثم إن الظاهر من إطلاق الكتب المصرّحة بالاشتراط عدم الفرق بين أفراد الحواس الظاهرة من السّمع والبصر والذّوق والشّم واللَّمس ومنها استواء الطرفين والواسطة أعني بلوغ جميع طبقات المخبرين في الأول والآخر والوسط بالغا ما بلغ عدد التواتر وقد صرّح بهذا الشرط في المعارج والتهذيب والنهاية والمنية والمعالم والنهاية والمحصول والإحكام والمستصفي وشرح العضدي وقد صرّح بدعوى الاتفاق عليه في النهاية والإحكام وشرح العضدي قال في المعارج لأنا نعلم أنه متى اختل هذا الشرط لا يحصل العلم بمجرّد الإخبار وفي النهاية وغاية المأمول والإحكام والمستصفي لأن خبر أهل كلّ عصر مستقل بنفسه فكان هذا الشرط معتبرا وزاد الثاني فقال وبهذا يندفع ما يدّعيه اليهود والنّصارى من التواتر فيما نقلوه عن موسى وعيسى عليهما السلام لعدم بلوغ الخبر الحدّ المذكور وقريب منه ما في الرّابع ولا إشكال في عدم حصول العلم إذا كان أحد الأمور الثلاثة من خبر الواحد ووجهه ظاهر وكذا لا إشكال في حصول العلم إذا كانت الثلاثة بالغة مبلغ التواتر وأما إذا كانت الطبقة الأخيرة المتّصلة بنا بالغة مبلغ التواتر ولم يعلم بكيفية ما سبق فقد يدعى حصول العلم حينئذ بل أكثر المتواترات من هذا القبيل إذ لم يلتفت فيها إلى ما سبق فتأمل وقال في المنية المراد بالطبقة الأولى المشاهدون لمدلول الخبر والطبقة الأخيرة الناقلون عن الواسطة إلى المخبر أخيرا والواسطة الطبقة التي بينهما وقد يتحد الواسطة وقد يتعدّد فيشترط في كل واحدة منها أن تكون عالمة بمدلول الخبر وقد علم بما ذكرناه أن استواء الطرفين والواسطة إنما تعتبر إذا كان بين المخبر والشاهدين طبقتان أخراوان وحينئذ لا يكون الشرط عامّا في كل