السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

425

مفاتيح الأصول

التفصيل مع الذكر إشكال وعلله في الكشف وبعض الشروح بإمكان الاجتزاء بالندم على كل قبيح وقع وإن لم يذكره مفصّلا انتهى والتحقيق عندي أن التوبة بمعنى الندم على ما فات من المعصية والعزم على الترك في المستقبل لتحقق وصدق حقيقته بالإجمال والتفصيل مطلقا ولو علم التفصيل فلا حاجة إلى التفصيل ولو علمه لأصالة براءة الذّمة من وجوبه تعبدا وللعمومات الدّالة على كفاية ما يسمى توبة حقيقة وهي سليمة عن معارضة دليل من الأدلة الأربعة كما لا يخفى ويؤيّد ذلك أن التفصيل لو كان واجبا لورد التنبيه عليه في شيء من النّصوص لتوفر الدواعي عليه والتالي باطل مضافا إلى السيرة المعهودة إذ لم نجد أحدا من التائبين التزم بالتفصيل مع العلم وأما ما يتفرع على التوبة من ردّ المال والاستحلال والقضاء والتمكين من إقامة الحد فيجب الإتيان به مفصّلا ولا يمكن الإجمال مع العلم بالتفصيل وأما مع الجهل به فتارة يلزم العمل بالاحتياط وذلك فيما إذا علم بالتكليف ولم يعلم بالمكلف به كما إذا غصب ولم يعلم أن المغصوب منه زيد أو عمرو وتارة يلزم الرجوع إلى أصالة البراءة وذلك فيما إذا رجع الشك إلى أصل التكليف كما إذا علم بالمعصية ولم يعلم بأنه يترتب عليها أداء أو القضاء أو التمكين من الحد أو القضاء أو لا يترتب عليه شيء وبالجملة اللازم في هذا المقام الرجوع إلى الأصول الشرعية والقواعد العقلية العاشر حكى في الكشف عن أبي علي أنه قال إذا تاب المكلف عن معصية ثم ذكرها وجب عليه تجديد التوبة لأن المكلف القادر لا ينفك عن الضدّين إما الفعل أو الترك فعند ذكر المعصية إما أن يكون نادما عليها أو مصرا عليها والثاني قبيح فيجب الأول وبعبارة أخرى إذا ذكر المعصية ولم يندم عليها كان مشتهيا لها فرحا بها وذلك إبطال للندم ورجوع إلى الإصرار وأورد عليه بأنا لا نسلم لو لم يندم عليها إذا ذكرها لكان مشتهيا لها إذ ربما يضرب عنها صفحا من غير ندم ولا اشتهاء لها ولا ابتهاج بها ويظهر من المحقق الطوسي في التجريد التأمل في ذلك فإنه قال وفي وجوب التجديد أيضا إشكال انتهى والأقرب عندي عدم وجوب تجديد الندم على الفائت وقد حكاه في الكشف عن أبي هاشم وذلك للأصل السليم عن المعارض مضافا إلى أنه لو كان واجبا لاشتهر وبطلان التالي هذا ويؤيد ما ذكره في شرح المقاصد فقال قال الآمدي مهما صحت التوبة ثم تذكر الذنب لم يجب عليه تجديد التوبة خلافا لبعض العلماء وذلك لأنا نعلم بالضرورة أن الصّحابة ومن أسلم بعد كفره كانوا يتذكرون ما كانوا عليه في الجاهلية من الكفر ولا يجددون الإسلام ولا يأمرون به فكذلك الحال في كلّ ذنب وقعت التوبة عنه انتهى هذا كلَّه في تجديد الندم وأما العزم على الترك في المستقبل فيمكن أيضا المنع من وجوب تجديده ولكن الأحوط التجديد وأما ما يتفرع على التوبة من القضاء ورد المال والاستحلال والتمكين من القصاص والحد فلا إشكال في عدم وجوب تجديده وإن قلنا بأنه من أجزاء التوبة أو من شروطها لظهور الاتفاق عليه وأصالة البراءة وعدم كون الأمر للتكرار واستلزام التجديد الحرج العظيم غالبا وعدم اشتهار وجوبه والسيرة المستمرة الحادي عشر قال العلامة في الكشف إذا فعل المكلف العلة هل يجب عليه الندم على المعلول أو على العلَّة أو عليهما مثاله الرامي إذا رمى قبل الإصابة قال الشيوخ يجب عليه الندم على الإصابة لأنها هي القبيح وقد صارت في حكم الوجود لوجوب حصوله عند المسبّب وقال القاضي يجب عليه ندمان أحدهما على الرمي لأنه قبيح والثاني على كونه مولدا للقبيح ولا يجب أن يندم على المعلول لأن الندم على القبيح إنما هو لقبحه وقبل وجوده لا قبح انتهى وفي التجريد وفي وجوب التجديد إشكال وكذا العلَّة مع المعلول وفي بعض شروحه أي فيه أيضا إشكال فإنه إذا صدر العلَّة من المكلف وجب الندم على العلَّة مع المعلول كما إذا رمى فأصاب فإن الرمي علَّة والإصابة معلول له ويجب الندم على الإصابة جميعا وفيه إشكال لأن الاجتزاء يحصل بالندم على الرمي انتهى والتحقيق أن يقال إن غاية ما يستفاد من الأدلة العقلية والنّقلية هو وجوب التوبة على نفس المعصية الصادرة سواء كانت علة أو معلولا وأما على لوازمها المتقدمة أو المتأخرة فلا سواء كانت من العلل أو من المعلولات فإذا كان المعصية علة وصدرت وجب التوبة على نفسها لا على معلولها سواء وجد أم لا وإن كانت معلولا فلا يجب التوبة قبل الوجود وإن وجد العلة نعم إذا وجد وجب التوبة على نفسه لا على العلة الثاني عشر إذا تحققت التوبة على الوجه المعتبر شرعا فهل يسقط به العقاب أو لا صرح بالأول في الكشف وسرماية الإيمان ففي الأول اعلم أن الناس اتفقوا على سقوط العقاب بالتوبة وفي الثاني انعقد الإجماع على سقوط العقاب بالتوبة انتهى وربما يعضد ما ذكراه قوله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ولكن في شرح المقاصد هو لا يدلّ على الوجوب بل على أنه الذي يتولى ذلك أو يتقبله وليس لأحد سوى ذلك انتهى واختلفوا في أن العقل هل يستقل بإدراك الحكم بوجوب قبول التوبة على الله عز وجل وبلزوم إسقاط العقاب بها كما يستقل بإدراك الحكم بوجوب اللطف عليه تعالى أو لا بل إنما ثبت قبول التوبة وسقوط العقاب من طريق السّمع على قولين الأول أن العقل يحكم بوجوب قبولها وهو للمحكي في الكشف وشرح المقاصد وبعض شروح التجريد عن المعتزلة وفيه أنهم قالوا إن العقاب بعد التوبة ظلم الثاني أن العقل لا يستقل بذلك بل طريق ثبوته ليس إلا السّمع وهو للمحكي في الكشف عن المرجئة فإنه قال قالت المرجئة إن الله تعالى يتفضل عليه بإسقاط العقاب لا على جهة الوجوب وفي سرماية الإيمان للشيخ الطوسي على أنه سمعي وهو