السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

422

مفاتيح الأصول

يتوقف على نية القربة اتفاقا ونية الوجه من الوجوب والندب عند جماعة كالصّلاة والصّوم فلو تاب ولم يقصد التقرب أو الوجه بطلت توبته اتفاقا في الأول وعلى مختار جماعة في الثاني أو لا بل هي كالمعاملات نحو البيع والصّلح فلا يتوقف على ذلك فلو أتى بها خاليا عن ذلك وغير ملتفت إليه صحّت وترتب على ما أتى به جميع ما يترتب عليها من الأحكام المذكورة في الكتاب والسّنة وكلام العلماء يظهر من حق اليقين الأول فإنه قال لما كانت التوبة من جملة العبادات اعتبر فيه شرائطها وعمدتها الإخلاص فلا بد من إيقاع التوبة لله بحيث لا يشوبه الرياء ولما كان بعض العلماء يجعل الطمع في الجنة والخلاص من النار منافيا للإخلاص قال هنا إن كان المقصود من التوبة بجعل الجنّة أو النجاة من النار لم تصح والأدلَّة على بطلان هذا المذهب كثيرة فيصحّ التوبة بقصد ذلك انتهى وفي شرح المواقف في كون التوبة طاعة قال الآمدي الظاهر أن التوبة واجبة فيثاب عليها لأنها مأمور بها قال اللَّه تعالى توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون والأمر ظاهر في الوجوب لكنه غير قاطع لجواز أن يكون رخصة وإنما أبدانا بقبولها دفعا للقنوط لقوله تعالى لا تقنطوا من رحمة الله لا ييأس من روح اللَّه إن اللَّه يغفر الذنوب جميعا انتهى والتحقيق أن يقال إن كان الأصل في كلما تعلق به الأمر التوقّف على قصد التقرب والوجه إلا ما خرج بالدليل كردّ الوديعة كان اللَّازم الحكم بكون التوبة من جملة العبادات المتوقفة على قصد التقرب والتوقف لسلامة الأصل المذكور عن المعارض وفيه نظر وإن قلنا أن الأصل خلاف ذلك كما هو التحقيق لما بيناه في الوسائل والتنقيح فاللازم الحكم بأن التوبة ليست بعبارة ولا يتوقف على ذلك بل يترتب عليها الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة بها مطلقا ولو خلت عن ذلك عملا بإطلاقات الكتاب والسنة السّليمة عن المعارض وربما يؤيدها أن التوبة لو توقفت على ذلك لورد التنصيص عليه في النّصوص والفتاوى وأن المعهود من سيرة المسلمين قديما وحديثا عدم التوقف على ذلك كما لا يخفى فإذن الحكم بعدم التوقف هو المعتمد الثامن لا يقبل شهادة القاذف قبل توبته مع عدم اللَّعان أو البينة أو الإقرار وإذا تاب قبل شهادته كما في النهاية والخلاف والغنية والسرائر والنافع والشرائع والقواعد والإرشاد والتحرير والإيضاح والدروس والمسالك ومجمع الفائدة والكفاية والكشف والرياض ولهم وجوه منها ظهور الاتفاق عليه ومنها تضمن جملة من الكتب دعوى الإجماع ففي الخلاف القاذف إذا تاب وصلح قبلت توبته وزال فسقه بلا خلاف وتقبل عندنا شهادته فيما بعد دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وفي التحرير لو تاب القاذف لم يسقط الحد وزال الفسق إجماعا وقبلت شهادته سواء جلد أو لم يجلد وفي التنقيح أجمع الأصحاب ودلَّت الآية على قبول شهادة القاذف بعد توبته وصلاح عمله وفي المسالك لا خلاف في عدم قبول شهادة القاذف قبل توبته وفي الكفاية لا خلاف في عدم قبول شهادة القاذف قبل التوبة ولا خلاف أيضا في قبول شهادته بعد التوبة وفي الرّياض لا تقبل شهادة القاذف مع عدم اللعان أو البينة بالآية الكريمة والإجماع الظاهر والمحكي في كلام جماعة والنصوص المستفيضة وتقبل شهادته لو تاب وإن لم يسقط عنه الحد بلا خلاف بل عليه إجماعنا كما في التحرير والتنقيح ومنها ما تمسك به في الخلاف والمسالك والكفاية والكشف والرّياض من قوله تعالى لا تقبلوا لهم شهادة أبدا وزاد في الأول والثالث فتمسّكا بقوله تعالى إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ومنها ما دل من الأخبار على أن القذف من جملة الكبائر ومنها جملة من الأخبار أحدها خبر ابن سنان الَّذي وصفه بالصحة في مجمع الفائدة والكفاية عن الصادق عليه السلام قال سألته عن المحدود إن تاب تقبل شهادته فقال إذا تاب وتوبته أن لا يرجع فيما قال ويكذب نفسه عند الإمام وعند المسلمين فإذا فعل ذلك كان على الإمام أن يقبل شهادته بعد ذلك وثانيها خبر أبي الصّباح الكناني عن الصادق عليه السلام قال سألته عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته قال يكذب نفسه قلت أرأيت إن أكذب نفسه تقبل شهادته قال نعم وثالثها خبر يونس عن أحدهما عليهما السلام قال سألته عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب قال نعم قلت وما توبته قال يجيء فيكذب نفسه عند الإمام عليه السلام ويقول قد افتريت على فلانة ويتوب مما قال ورابعها ما أشار إليه في الخلاف والكشف فقال روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال توبة القاذف إكذاب نفسه فإذا تاب قبلت شهادته وخامسها وسادسها ما ذكره في الرّياض فقال في مقام الاحتجاج على ما ذكر بالنّصوص ومنها القريب من الصّحيح بحماد المجمع على تصحيح ما يصح عنه عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدا ثم يتوب ولا يعلم منه إلا خيرا أيجوز شهادته قال نعم ما يقال عندكم قلت يقولون تقبل توبته فيما بينه وبين الله ولا تقبل شهادته أبدا فقال بئس ما قالوا كان أبي عليه السّلام يقول إذا تاب ولم يعلم منه إلا خيرا جازت شهادته والقوي بالسكوني ليس يصيب أحد حدّا فيقام عليه ثم يتوب إلا جازت شهادته كذا رواه الكليني والشيخ أيضا لكن في نسخة ورواه في أخرى بزيادة إلا القاذف فإنه لا تقبل شهادته إن توبته فيما بينه وبين الله تعالى وفي هذه الزيادة منافاة لما ذكره الأصحاب في المسألة لكنها على تقدير صحتها مع خلوّ نسخة الكافي عنها الذي هو أضبط من التهذيب سيّما مع اختلاف نسخته وموافقة بعضها لنسخته كما مضى موافقة للتقية كما يستفاد من الرواية السابقة فليحمل عليها سيما مع كون الراوي من قضاة العامة وبالجملة لا شبهة في المسألة سيّما مع عدم الخلاف فيها انتهى وهل يتوقف عود عدالة القاذف الَّذي خرج بقذفه عنها على استمراره على التوبة وبقائه عليها أو لا بل تعود إليه العدالة بمحض التوبة المعتبرة شرعا المعتمد هو الأول كما يظهر من الشرائع والمختلف والقواعد والإيضاح والدروس والتنقيح