السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

409

مفاتيح الأصول

أنّ اعتبار العلم هو مقتضى دليل الاشتراط ودعوى أغلبية التعذر فيه وفيما يقوم مقامه لا وجه لها وربما وجهت بالنسبة إلى موضع الحاجة من هذا البحث وهو عدالة الماضين من رواة الحديث فإن الطريق إلى ذلك منحصر في النقل والقدر الذي يفيد العلم منه عزيز الوجود بعيد الحصول وشهادة الشاهدين موقوفة في الأظهر على العلم بالموافقة في الأمور التي يتحقق بها العدالة وتثبت وما إلى ذلك من سبيل فإن آراء المؤلفين لكتب الرّجال الموجودة الآن سوى العلامة في هذا الباب غير معروفة وليس بشيء فإن تحصيل العلم بعدالة تزكية من الماضين وبرأي جماعة من المزكين أمر ممكن بغير شكّ من جهة القرائن الحالية والمقالية إلا أنها خفية المواقع متفرقة المواضع فلا يهتدي إلى جهاتها ولا يقتدر على جميع أشيائها إلا من عظم في طلب الإصابة جهده وكثر في تصفح الآثار كدّه ولم يخرج عن حكم الإخلاص في تلك الأحوال قصده وأما ما ذكره جماعة من أن العدالة من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلا الله وما هذا شأنه لا يتصور فيه إناطة التكليف بالعلم فكلام شعري ناش عن قصور معرفته حقيقة العدالة أو مبني على خلاف ضعيف في بعض قيودها وليس هذا موضع تحقيق المسألة وقد ذكرناه مستوفي في غير موضع من كلامنا فليرجع إليه من أراد الوقوف عليه سلمنا ولكن نمنع كون تزكية الواحد بمجرّدها مفيدة للظن كيف وقد علم وقوع الخطأ فيها بكثرة وحيث إن هذا أيضا مما لا يتيسّر لكل أحد الاطلاع عليه فالمتوهم لحصول الظن منها إن تعذر فيه سلمنا ولكن العمل بالظن مع تعذر العلم في أمثال محل النزاع مشروط بانتفاء ما هو أقوى منه ولا ريب أن الظن الحاصل من خبر الواحد الذي استفيدت عدالته من تزكية الواحد قد يكون أضعف مما يحصل من أصالة البراءة وعمومات الكتاب انتهى وخامسها ما ذكره في مشرق الشمسين فقال ولقد بالغ بعض أفاضل المعاصرين في الإصرار على اشتراط العدلين في المزكي نظرا إلى أن التزكية شهادة ولم يوافق القوم على تعديل من انفراد الكشي أو الشيخ أو النجاشي أو العلامة مثلا بتعديله وجعل الحديث الصحيح عند التحقيق منحصرا فيما توافق اثنان فصاعدا على تعديل رواته ويلزمه عدم الحكم بجرح من انفرد أحد هؤلاء بجرحه وهو يلزم ذلك ولم يأت على هذا الاشتراط بدليل عقلي يعول عليه أو نقلي تركن النفس إليه ولعلَّك قد أحطت خبرا بما يتضح به حقيقة الحال ومع ذلك فأنت خبير بأن علماء الرجال الَّذين وصلت إلينا كتبهم في هذا الزمان كلَّهم ناقلون تعديل أكثر الرواة عن غيرهم وتوافق الاثنين منهم على التعديل لا ينفعه في الحكم بصحة الحديث إلا إذا ثبت أن مذهب كل من ذينك الاثنين عدم الاكتفاء في تزكية الراوي بالعدل الواحد ودون ثبوته خرط القتاد بل الذي يظهر خلافه كيف لا والعلامة مصرّح في كتبه الأصولية بالاكتفاء بالواحد والذي يستفاد من كلام الكشي والنجاشي والشيخ وابن طاوس وغيرهم اعتمادهم في التعديل والجرح على النقل على الواحد كما يظهر لمن تصفح كتبهم فكيف يتم لمن يجعل التزكية شهادة أن يحكم بعدالة الراوي بمجرد اطلاعه على تعديل اثنين من هؤلاء في كتبهم وحالهم ما عرفت مع أنّ شهادة الشاهد لا يتحقق بما يوجد في كتابه نعم هؤلاء الذين كتبهم في الجرح والتعديل بأيدينا في هذا الزمان ممّن شهد عند كل واحد عدلان بحال الراوي أو كانوا من الَّذين خالطوا رواة الحديث واطلعوا على عدالتهم ثم شهدوا بها لتم الدست انتهى وفيه نظر والمسألة محل إشكال إلا أن القول الثاني هو الأقرب وينبغي التنبيه على أمور الأول هل يجوز الاكتفاء في جرح الراوي بجرح عدل واحد أو لا الأقرب هو الأول وإليه ذهب في التهذيب والمبادي والمنية ومجمع الفائدة والدراية وشرحها وصرح في النهاية والدراية وشرحها والإحكام والمختصر وشرحه بأنه مذهب الأكثر ولهم ظهور عدم القائل بالفصل بين جواز الاكتفاء بذلك في التعديل وبين جواز الاكتفاء به في الجرح كما لا يخفى وعموم آية النبأ وأصالة حجية الظن وصرّح في المعالم بعدم جواز الاكتفاء بذلك فإنه قال اعلم أن طريق معرفة الجرح كالتعديل والخلاف في الاكتفاء بالواحد واشتراط التعدد جار فيه والمختار في المقامين واحد انتهى الثاني قال في المنتقى اعلم أنه قد شاع بين المتأخرين التعلَّق في التزكية بإخبار وهو مبني على الاكتفاء بتعديل الواحد إذ لا مأخذ له غير ذلك وإن سبق إلى بعض الأذهان خلافه فهو خيال لا حقيقة له ممن لا يكتفي في التعديل بالواحد لا يعوّل عليها نعم هي عنده من جملة القرائن الثّالث هل يجوز الاكتفاء في تزكية الراوي بكل ظن يفيدها سواء كان خبرا أو غيره فيكون الأصل فيها حجية كل ظن كما في نفس الأحكام الشرعية أو لا بل يجب الاقتصار فيها على أمور خاصة فيه إشكال ولكن الاحتمال الأوّل في غاية القوة وهل يلحق بذلك الجرح فيجوز الاكتفاء فيه بكلّ ما يفيد الظن به أو لا فيه إشكال ولكن الاحتمال الأول في غاية القوة أيضا الرابع هل يجوز الاكتفاء في تزكية الشاهد بتعديل عدل واحد كما في الراوي أو لا بل يشترط فيها العدد صار إلى الثاني في المعارج والتحرير والقواعد والإرشاد والمبادي والتهذيب والمنية واللمعة والكشف وغيرها وحكاه في النهاية والإحكام والمختصر وشرحه عن الأكثر ولهم ما ذكره في الكشف والمنية ففي الأوّل لا يثبت الجرح ولا التعديل إلا بشاهدين عدلين ذكرين لأن كلا منهما شهادة فيعتبر فيها ما يعتبر في غيرهما من الشهادات وفي الثاني أما اعتبار العدد في الشهادة فللاحتياط حتى أن بعضهم ذهب إلى مزكي شهود الزنا يشترط كونهم أربعة لأن الظن الحاصل بهما يجب العمل به اتفاقا والظن الحاصل بالواحد ليس كذلك لفقد ما يدل على تسويغه مع قيام ما يدل على أن بعض الظن إثم وذلك البعض غير معين فجاز كون ما يحصل تزكية الواحد أو جرحه منه انتهى وربما يظهر من مجمع الفائدة