السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

384

مفاتيح الأصول

إذا كان الصاحب ذكيا في مدّة قليلة وقد يحصل في مدة طويلة بالجوار والمعاملات والأسفار وبالجملة مرجع ذلك إلى المعاشرة والظاهر أنه لا يعتبر العلم بل الظن المتاخم بل الظن المأخوذ من المعاشرة على الوجه الذي ذكرناه والدّليل عليه بعد اعتبار العدالة أنه لا بدّ من معرفتها وهي خفية والتكليف بالعلم حرج منفي بل غير معقول ومطلق الظن غير معتبر للأصل وبمنع العمل به مطلقا فبقي الظن الذي يحصل معه الاطمئنان بحصول تلك الملكة وعدم الجرأة على الكذب الذي هو المنافي لمقصود الشهادة وذلك يحصل بما تقدم فتأمل ويمكن فهمه من الرّوايات السّابقة أيضا كرواية ابن أبي يعفور فافهم انتهى وما ذكروه من أن الاختبار يثبت به العدالة هو المعتمد ولا يشترط في ثبوت العدالة به كونه بالغا إلى حد يحصل معه العلم بها بل يكفي إفادته الظن كما هو صريح التحرير ونهاية الأصول والمنية ومجمع الفائدة وظاهر إطلاق كثير من الكتب المتقدمة وادّعى في الذّخيرة أنه المشهور بين المتأخرين والظاهر أنه مما لا خلاف فيه وإن كانت جملة من العبارات توهم الاشتراط به والحجة في ذلك أمران أحدهما الأخبار الكثيرة الظاهرة في عدم الاشتراط الثاني أن العلم بالعدالة من طريق الاختبار متعذر أو متعسر فاشتراط العلم في ثبوتها يستلزم الحرج المنفي شرعا لا يقال إنما يلزم الحرج لو انحصر طريق معرفتها فيه وهو ممنوع لثبوته بغيره مما لا يشترط فيه كونه مفيدا للعلم بها نحو شهادة العدلين ومعه لا يلزم الحرج لأنا نقول هذا باطل لأن شهادة العدلين وإن كانت طريقا لمعرفة العدالة ولكنها مبنية على هذا الطريق لأن العدلين لا يشهدان إلا بعد الاختبار فإذا فرض اشتراطه بأن يكون إلى حدّ يحصل معه العلم لم يتمكنا غالبا من أداء الشهادة بها فيبقى لزوم الحرج باشتراط ذلك على حاله كما لا يخفى وبالجملة لا يتوقّف معرفة العدالة بالاختبار على حصول العلم منه بل يكفى الاختبار المفيد للظن ويثبت به العدالة مطلقا خصوصا عدالة الرواة فإن انسداد طريق العلم بها أظهر وأوضح كما لا يخفى لا يقال يدفع ما ذكر أصالة عدم حجية الظن المستندة إلى العمومات الواردة في الكتاب والسنة النّاهية عن العمل بالظن لأنا نقول ما ذكرناه أقوى فيخصص به العمومات المذكورة وهل يكفى مطلق الظن كما يظن من جماعة أو يشترط كونه متاخما للعلم كما يظهر من آخرين فيه إشكال من الأصل المتقدم إليه الإشارة ومن ظواهر جملة من الأخبار وغلبة اعتبار مطلق الظن فيما يعتبر فيه الظن وفحوى ما دل على حجية شهادة العدلين ولزوم الحرج غالبا لو كان ذلك شرطا فالأقرب الأوّل ويتحقق الاختبار بالصحبة المتأكدة الكثيرة والمعاشرة الباطنية المتكررة بحيث يظهر حاله ويحصل الاطلاع على سريرته واتصافه بالملكة الخاصة الَّتي هي العدالة وعدمه ولا يتقدر ذلك بزمان معيّن كيوم أو شهر أو سنة كما هو الظاهر من كلامهم وصرّح به في المسالك ومجمع الفائدة وأقوى وجوه الاختبار غالبا المعاملة والسّفر وهل يلزم الاختبار بكل ما يمكن الاختبار به أو لا المعتمد هو الثاني وهل يشترط في المختبر أن يكون عالما بجميع المعاصي تفصيلا أو لا المعتمد هو الثاني كما صرّح به في مجمع الفائدة فقال وينبغي أن يكون المعاشر عالما بطرق العدالة من معرفة الكبائر وغيرها والظاهر أنه يمكن حصوله لمن لا يعرف الكبائر بالتفصيل أيضا إذ قد يحصل من المعاشرة المطلقة على الباطن أن مثل هذا الشخص لا يفعل الذنب الكبير ولا الذنب عمدا وإن لم يعرف الذنوب بالتفصيل وهو ممنوع انتهى وربما يظهر من الكشف خلاف ذلك فإنه قال ويكون عارفا بالمعاصي ليعلم الجرح من العدالة وقيل لا يلزم العلم بتفاصيلها إذ ربما لا يحصل له العلم بأنه لا يفعل كبيرة ولا صغيرة عمدا وإن لم يعلم الكبائر انتهى وهل يشترط المعاملة أو المعتمد هو الأخير وفاقا للقواعد والكشف وفيه وإن حكي عن بعض الحكام أنه سئل المزكى عنها وإن كانت أحوط ولو رأى المختبر ممن يريد اختباره صدور كبيرة كالغيبة وشرب الخمر فإن ظن بأن ذلك على وجه التشهي والمعصية فلا إشكال في أنه لم يتحقق الإخبار الكاشف عن العدالة وكذلك إن شك في ذلك وأما إذا ظن بأن ذلك لعذر يسوغ له شرعا فيحتمل قويّا الحكم بعدالته حينئذ ولا فرق في جواز الاعتماد على الظن الحاصل من الاختبار في إثبات العدالة بين عدالة المخبر وعدالة الإمام وعدالة الشاهد وعدالة غيرهم ومنها ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق وقد صار إلى هذا جماعة وهو ضعيف لما عرفت في بحث مجهول الحال ومنها حسن الظاهر وقد اختلف الأصحاب في جواز الاعتماد عليه في الحكم بالعدالة على قولين الأول أنه لا يجوز وهو لجملة من الكتب بل حكي في جملة منها الشهرة عليه ففي الشرائع لا يجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر وفي التحرير لا يجوز له في الشهادة الاعتماد على حسن الظاهر بل لا يحكم إلا بعد الخبرة الباطنة بحال المشاهدين وفي القواعد والخلاف لا يجوز أن يعوّل في التعديل على حسن الظاهر وزاد الثاني فقال خلافا لبعض العامة كما عرفت مما سمعته من كلامي المبسوط والخلاف وفي الذكرى لا يكفي التعويل على حسن الظاهر وخالف فريق فقالوا بجواز التعويل على حسن الظاهر وهو قول بعض الأصحاب لعسر الاطلاع على البواطن وفي الدروس ولا يكفي الإسلام في معرفة العدالة خلافا لابن الجنيد ولا التعويل على حسن الظاهر وفي البيان جوّز بعض الأصحاب التعويل على حسن الظاهر إلى آخره وفي الموجز لابن فهد لا يثبت عدالة الإمام بالإسلام وحسن الظاهر وفي الجعفرية لا يكفي الإسلام ولا التعويل على حسن الظاهر وفي المسالك من اكتفي بالإسلام وجعله دالا على العدالة اكتفي بحسن الظاهر بطريق أولى ومنهم من لم يكتف بالظاهر واكتفي بحسن الظاهر في ثبوت العدالة بمعنى أن يكون ظاهره الخير من غير أن يطلع