السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
35
مفاتيح الأصول
إذا حصل هناك الظن بالواقع وبإرادة المتكلم منها ظاهرها وأما إذا حصل الشك في ذلك فلا يجوز التعويل من باب التعبد لأن ذلك طريقة أهل اللسان إلا أن يقوم دليل على لزوم العمل بها تعبدا والقدر الذي ثبت أنما هو فيما إذا عارضها ما يوجب الشك أو الظن بخلافها ولم يقم من الشرع دليل على حجيته وأما إذا حصل الشك أو الظن مما قام الشرع على حجيته كما إذا ورد في السنة المتواترة عام مثلا وورد فيها خطاب مجمل يحتمل أن يكون مخصّصا وأن لا يكون مخصصا فلا بد من التوقف في العمل بالعام لأن ذلك الخطاب المجمل باعتبار إجماله يوجب الإجمال في العام فلا يحصل منه الظن بالواقع ولم يقم دليل على لزوم العمل تعبدا ولا يمكن أن ندعي الإجماع على كلية لزوم العمل بالظواهر ووجوب حمل اللفظ على حقيقته مطلقا ولو لم يحصل الظن بعدم القرينة لأن ذلك ممنوع فإن أكثر المحققين توقفوا فيما إذا تعارض المجاز الراجح مع الحقيقة المرجوحة ولو كان الإجماع ثابتا لكان اختيار ما عليه أبو حنيفة لازما لأن الفرض أنه لم يظهر قرينة وبالجملة ما ذكرناه هو الذي يقتضيه الأصل حتى يقوم دليل على خلافه مفتاح إذا كان للخطاب حال صدوره معنى حقيقي قل استعماله فيه بحيث قارب الهجر ومعنى مجازي شاع استعماله فيه بحيث قارب النقل وكان المتكلم والمخاطب عالمين بذلك وكان كل منهما عالما بعلم الآخر به ولم يكن هناك قرينة تفيد أحد الأمرين فهل يحمل على الأول أو على الثاني اختلف فيه القوم فذهب أبو حنيفة فيما حكي عنه إلى لزوم الحمل على الأول وربما يظهر من جدي رحمه الله الميل إليه وذهب الشافعي فيما حكي عنه إلى لزوم الحمل على الثاني وذهب العلامة والسيد عميد الدين والشهيد الثاني وولده وصاحب الذخيرة والمحقق الخوانساري أستاذ الكل وجدي الصالح المازندراني والمحدث الكاشاني والبيضاوي وغيرهم إلى التوقف وعدم الحمل على أحد الأمرين وحكي عن الغزالي والشافعي وبالجملة عليه المعظم وهو المعتمد لتعارض الظن المستفاد من الغلبة مع الظن المستفاد من الوضع والحقيقة من غير ترجيح ومع ذلك لا يحصل الظن بالمراد وقد بيّنا فيما سبق أنه إذا لم يحصل الظن بالمراد يجب التوقف ويؤيد ما ذكرناه مصير المعظم إليه لا يقال يجب حمل اللفظ على المعنى الحقيقي لوجوه الأول أن اللفظ كان اللازم حمله عليه قبل حصول الغلبة فيجب حمله عليه بعدها عملا بالاستصحاب الثاني أنه لو كان غلبة التجوز مانعة عن الحمل عليه للزم عدم حمل الألفاظ الموضوعة للعموم عليه إذا تجردت عن القرينة فيسقط الاستدلال بها في جميع الموارد الشرعية وغيرها والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلشيوع التجوز فيها كما يظهر من قولهم المشهور ما من عام إلا وقد خصّ وأما بطلان التالي فلإجماع المسلمين بل جميع العقلاء على لزوم حمل الألفاظ العامة المجردة عن القرينة على العموم ولا ينبغي لأحد التأمل في ذلك وما هو إلا كالتأمّل في الأمر البديهي كما لا يخفى الثالث أنه لو كانت غلبة التجوز مانعة عن الحمل على المعنى الحقيقي للزم التوقف في جميع الألفاظ ولما صح استفادة أمر منها والتالي باطل والمقدم مثله أما الملازمة فلشيوع التجوز وغلبته حتى صرّح جماعة بأن أكثر اللغات مجازات وأما بطلان التالي ففي غاية الوضوح والظهور لأنا نقول الوجوه المذكورة لا تنهض لإثبات ما ذكر أما الأول فلأن العمل بالاستصحاب يشترط فيه بقاء الموضوع كما تقرر في محله وهذا الشرط هنا غير ممكن التحقق كما لا يخفى سلمنا تحققه ولكن لا نسلَّم حجية الاستصحاب في أمثال هذه المسائل كما تقدم إليه الإشارة وأما الثاني فللمنع من الملازمة إذ شيوع التخصيص في العمومات بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة ممنوع والشيوع في الجملة لا يستلزم الشيوع المذكور على أن غلبة التخصيص غلبة نوعية لا شخصية والمفروض في محل البحث الغلبة الشخصية بمعنى أن يكون للفظ خاص معنى حقيقي قل استعماله فيه وكثر استعماله في معناه المجازي لا الغلبة النوعية كما أشار إليه بعض الأعلام سلمنا ولكن نمنع من بطلان التالي ونلتزم بالتوقف في العمومات التي لم يثبت تخصيصها أصلا ولكنها نادرة وإجماع المسلمين والعقلاء على لزوم حمل هذه العمومات على العموم والعمل بها ممنوع فإن القدر المتيقن هو إجماعهم على لزوم العمل بالعمومات التي ثبت تخصيصها في الجملة لا مطلقا سلمنا ولكن لزوم ترجيح الحقيقة المرجوحة حينئذ باعتبار الإجماع لا يستلزم ترجيحها مطلقا وعدم القائل بالفصل ممنوع خصوصا مع ملاحظة مصير المعظم إلى لزوم التوقف في محل البحث وأما الثالث فلما تقدم إليه الإشارة ولا يقال يجب حمل اللفظ على المعنى المجازي لأن الغالب حمل اللفظ عليه فيجب إلحاق الفرد المشكوك فيه بالغالب عملا بالاستقراء وبالجملة يحصل من الغلبة المذكورة الظن بإرادة المجاز لأنا نقول هذا معارض بظهور الوضع في إرادة المعنى الحقيقي ولا نسلَّم أن الظن الحاصل من الاستقراء أقوى من هذا فيجب التوقف على أنه قد يناقش في الاستقراء هنا بأن الغالب حمل اللفظ على المعنى المجازي مع ظهور القرينة ومحل البحث لم يظهر فيه قرينة فلم يكن من أفراد ما استقر فيه وفيه نظر وينبغي التنبيه على أمور الأول إذا فرض حصول