السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

338

مفاتيح الأصول

تارة مع السماع وأخرى مع عدمه مع العلم بالصّدور وهو أعم منهما لغة وإلا لكان قولنا قال اللَّه تعالى مجازا ولصح تكذيب من قال قال زيد كذا مع عدم سماعه منه والعلم بصدوره عنه وذلك باطل قطعا سلَّمنا ولكن ذلك يختص ببعض الأخبار فلا يجدي في دفع الإيراد ومنها فحوى ما دل على كفاية العلم في الشهادة مطلقا وفي هذه الحجّة نظر أما أولا فللمنع من المقدمة الأولى لأن قول الفرع الذي لم يلق الرّسول صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وإن كان باعتبار أن الجملة الخبرية موضوعة للجزم بالنسبة ظاهر في حصول القطع والجزم بصدور القول المذكور منه صلى الله عليه وآله ولكن قد شاع استعماله في العرف في غير صورة الجزم بذلك بحيث لا يبعد دعوى بلوغ ذلك إلى الحقيقة العرفية وهجر الوضع الأصلي في هذه الموارد ولئن تنزلنا عن ذلك فلا أقل من صيرورة صورة عدم الجزم بالنسبة من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة عند معظم المحققين من الأصوليين ويدل على ما ذكرناه من عدم ظهور العبارة المذكورة ونحوها في الجزم بالنسبة أمور أحدها تتبع العادات ألا ترى أنه لو قيل في زماننا قال رسول الله كما يتفق ذلك كثيرا للوعاظ في المنابر والفقهاء في البحث وأرباب التواريخ أو قال فرعون وكسرى لم يفهم أن المخبر جازم بما أخبر به بل الظاهر منه عدم تحقق الجزم كما لا يخفى وثانيهما أن حصول الجزم بالخبر لا يكون عادة إلا بالتواتر والاحتفاف بالقرائن المفيدة له وحصولهما مع بعد الزمان بعيد خصوصا في الأمور التي لا يتوفر الدواعي على نقلها فيكون ذلك قرينة عادية ظاهرة على عدم الجزم وهذه القرينة منتفية بالنسبة إلى من كان يمكنه إدراك النبي صلى الله عليه وآله فيجب الأخذ بظاهر اللفظ المفيد للجزم بالنسبة لسلامته عن المعارض وثالثها أن جماعة من المحققين كالعلامة في النهاية والتهذيب والرازي في المحصول والبيضاوي في المنهاج والعبري والأسنوي في شرحيه قالوا في جواب من تمسك بأن قول الفرع قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذا يفيد تعديل الواسطة المحذوفة لأنه يفيد الجزم والظن بصدور القول المذكور عنه صلى الله عليه وآله وليس ذلك إلا باعتبار عدالة الواسطة المحذوفة وليس حمل أخبار الراوي عن الرسول صلى الله عليه وآله على ظن أنه قال أولى من حمله على أنه سمع أنه قال ومعلوم أنه لو صرح بهذا القدر لم يكن فيه تعديل للأصل لأنه لو سمعه من كافر متظاهر بالكفر يحل له أن يقول سمعت أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله فعلمنا سقوط ما ذكرتموه انتهى لا يقال ما ذكروه مدفوع بما ذكره السيد عميد الدين فإنه قال بعد الإشارة إلى ما ذكروه وفيه نظر للمنع من عدم الأولوية فإن الذهن يتبادر إلى فهم المعنى الأول دون الثاني ولأنه لو كان المراد سمعت أنه قال لجاز أن يخبر بما يعلم انتفاءه عن الرسول صلى الله عليه وآله إذا سمع الأخبار به عنه انتهى لأنا نقول ما ذكره لا يصلح للدفع لما عرفت ولا يقال القرينة على إرادة الجزم من العبارة التي ذكرها الفرع موجودة وهي أن الفرع مع عدالته ليس له أن يوجب شيئا على غيره إلا إذا علم أنه عليه السلام أوجب ذلك لأنا نقول لا نسلم أن الفرع أراد إيجاب شيء على غيره وإنما القدر المتيقن هو إرادة مجرد الرواية فتأمل لا يقال إذا لم يدل العبارة المذكورة على الجزم فلا إشكال في أنها تدل على الظن بالصدور الذي هو حجة فيلزم العمل بها لأنا نقول لا نسلم ذلك سلمنا ولكن لا نسلم لزوم العمل بها حينئذ فتدبر ولا يقال غاية ما يلزم مما ذكرتموه أن إطلاق قول الفرع قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يفيد الجزم ولكن قد ينصب الفرع قرينة على كونه جازما فيلزم العمل بإرساله وإذا وجب العمل بالمرسل في هذه الصورة وجب العمل به في صورة الإطلاق إذ لا قائل بالفصل بين الصورتين لأنا نقول لا نسلم عدم القول بالفصل لأن الظاهر من إطلاق الأصوليين الباحثين في المسألة هو صورة الإطلاق لا الأعم منها ومن صورة وجود القرينة على كون الفرع جازما بما يخبر به كما لا يخفى على من تتبع كلماتهم سلمنا ولكن نمنع من وجوب العمل في صورة وجود القرينة على الجزم لما سيأتي إليه الإشارة وأما ثانيا فللمنع من المقدمة الثانية ومن عدم اشتراط السماع لأصالة الاشتراط والوجوه المذكورة لا تصلح لدفعها أما الأول فللمنع من دلالة الآية الشريفة على أصل حجية خبر الواحد فضلا عن دلالتها على عدم الاشتراط سلمنا ولكن يعارضها العمومات المانعة عن العمل بغير العلم والتعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه بعد خروج المستند إلى السماع من تلك العمومات ومن الظاهر أن الترجيح مع تلك العمومات سلمنا أن الآية الشريفة أخص منها مطلقا ولكنها لاعتضادها بالشهرة العظيمة التي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف يكون أولى بالترجيح لما تقرر عندنا من أن العام إذا اعتضد بالشهرة كان أولى بالترجيح ولا يصلح الخاص لتخصيصه ويؤيد ما ذكر قوة دعوى انصراف إطلاق الآية الشريفة إلى غير محل البحث وأما الثاني فلأنا لا نسلم أنه يفيد الظن نعم ربما يفيد قوة الدلالة ولكنها ليست من مراتب الظن سلمنا أنه يفيد الظن المعتد به عادة ولكن لا نسلم حجية هذا الظن أما على القول بلزوم الاقتصار على الظنون المخصوصة فواضح إذ ليس الظن المفروض من الظنون المخصوصة لعدم وجود دليل قاطع على حجيته بخصوصه وأما على القول بأصالة حجية كل ظن كما هو المختار فلأن القدر المسلم منها هو الظن الذي لم يقم دليل ظني على عدم حجيته وأما الظن الذي لم يقم دليل ظني على حجيته وأما الظن قام الدليل الظني على حجيته فليس بمندرج تحت الأصل المذكور لعدم