السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

32

مفاتيح الأصول

والموضوع له خاص وكذلك نمنع غلبة التجوز في أسماء الأجناس لعدم معلومية استعمالها في الأفراد مع إرادة الخصوصية منها لجواز استعمالها في المفاهيم الكلية ويراد الخصوصية من الخارج وهو حينئذ حقيقة وأما ما ذكره ابن جني أولا فقد أجاب عنه في النهاية بأن المصدر دال على الماهية من حيث هي هي ولا يستلزم وحدة ولا كثرة وأما ما ذكره ثانيا فقد أجاب عنه في النهاية أيضا بأنّ التجوّز في مثل ذلك واقع في النسبة دون الأطراف وقد يمنع من التجوز في النسبة أيضا لجواز أن يقال إن ضربت زيدا مثلا موضوع للأعم من ضرب مجموعه وضرب بعضه قال بعض الأصوليين فيما حكي عنه الأفعال في وضع اللسان تنقسم إلى ما يقتضي الاستيعاب كالغسل فإذا قال غسلت رأسي كان ذلك ظاهرا في الاستيعاب وإلى ما لا يقتضيه كالضرب فإذا قال ضربت رأس فلان لم يقتض الاستيعاب وأما غلبة المنقولات فإن تمت فليس فيها شهادة بغلبة المجاز لأن سبقها بالتجوز معارض بغلبة استعمالها بعد النقل في المعنى الحقيقي وأما دعوى غلبة المجاز في ألفاظ الكتاب والسنة باعتبار أنهما فصيحان والفصاحة تلزم التجوز فلا يخفى ضعفها لمنع الملازمة إذ ليس من شروط بلاغة الكلام خلوّه عن الحقيقة ولا وروده على سبيل المجاز والاستعارة فإن مناط البلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع حسن النظم والتأليف وسلامته عما يخل بالفصاحة ولا ريب أن هذا كما يحصل بالمجاز فكذا بالحقيقة بل قد لا يحصل إلا بها كما إذا كان المقام مقام البيان والتوضيح فإن المطابقة لمقتضى الحال لا يكاد يتحقق فيه إلا بالحقيقة والتصريح كيف ولو كان استعمال الحقيقة منافيا للبلاغة لزم أن لا يكون الكتاب الكريم مشتملا عليها أصلا أو لا يكون الكتاب بتمامه بليغا وكلاهما باطل بالضرورة فإن القرآن في أعلى طبقات البلاغة الذي هو حدّ الإعجاز ومع ذلك فليس مقصورا على المجاز لما يرى من استعماله على الحقيقة بل هي فيه أكثر من أن يحصى لا يقال ليس المراد التلازم بين البلاغة والمجاز دائما بل المراد غلبة حصولها به وهذا القدر كان في دعوى غلبة التجوز في الكتاب والسنة لأنا نقول لا نسلم هذا أيضا خصوصا في كلام الشارع كما ذكره بعض الأفاضل وادعى أن الغالب في ألفاظ القرآن والحديث الحقيقة دون المجاز وأن المجاز فيها قليل محتجا بأن الغرض الأصلي فيها هو البيان والإعلام دون الإجمال والإبهام والمناسب لهذا الغرض استعمال الحقيقة دون المجاز ثم إنا نمنع من كون جميع ألفاظ الأحاديث في أعلى طبقات البلاغة فإن التتبع في الأخبار يكشف عن أن البناء على إفهام الراوي بمقدار فهمه حتى أنه لم يراع في بعضها القاعدة العربية وقد حكي عن بعض الأصحاب الاعتذار عن هذا بما ذكرناه على أن جملة من الأخبار منقولة بالمعنى ولا يلزم فيها مراعاة البلاغة ثم إنه لو سلم غلبة المجاز فيمنع من استلزامها منع حمل اللفظ على الحقيقة وإلا لما صحّ حمل العمومات على ظواهرها وكان اللازم فيها التخصيص لشيوعه وغلبته حتى اشتهر ما من عام إلا وقد خصّ والتالي باطل لاتفاق الجميع على وجوب حمل صيغ العموم على حقائقها ما لم يظهر المخصص ولم يلتفت أحد إلى شيوع التخصيص وكثرته ولا جعله مانعا عن الحمل على الحقيقة كذا قاله بعض الأفاضل ثم قال فإن قيل ما بال الغلبة هاهنا لا توجب تقديم الغالب وترجيحه ونحن نرى أنهم يستندون إليها في غير المقام وما الفرق بين هذه الغلبة وغيرها حتى اختلفتا في اقتضاء التقديم وعدمه قلنا لعل الفرق أن الغلبة المقتضية للترجيح هي الغلبة الشخصية وغلبة المجاز ليست كذلك فإنها غلبة جنسية لا شخصية ضرورة أن الغالب على الحقيقة هو جنس المجاز لا كل مجاز انتهى سلمنا أن الأصل في الغلبة المنع من الحمل على الحقيقة ولكن ما قدمناه من الدليل على لزوم الحمل على الحقيقة يعارضه وهو أولى بالترجيح قطعا تنبيه إذا أطلق اللفظ الذي له معنى حقيقي ولم يعلم بتجرده عن القرينة فلا يخلو إما أن يحصل الظن المعتبر بتجرده عنها أو لا بل يحصل الشك بالمعنى المتعارف فيه فإن كان الأول فلا إشكال ولا خلاف بين المحققين على الظاهر في لزوم الحمل على الحقيقة حينئذ لحصول الظن بالمراد من اللفظ المذكور وهو حجة قطعا وإن لم نقل بأصالة حجية كل ظن لأن الظن المستند إلى ظاهر اللفظ المعتبر ظن مخصوص قام القاطع على حجيته بالخصوص وهو الإجماع المستفاد من سيرة العقلاء كما لا يخفى وإن كان الثاني فهل يلزم حينئذ الحمل على الحقيقة تعبدا فيكون الأصل فيما إذا تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح وحصل الشك في المراد الحمل على الحقيقة كما ذهب إليه بعض وكذلك يكون الأصل فيما إذا تعقب الاستثناء جملا متعاطفة نحو أكرم العلماء وأهن الجهال وجالس الكرام إلا زيدا اختصاص الاستثناء بالأخيرة ولزوم حمل العموم فيما عداها من الجمل المتقدمة عليها على معناه الحقيقي كما عليه بعض وكذلك يكون الأصل فيما إذا ورد خطابان أحدهما ظاهر في معنى باعتبار الوضع والآخر مجمل له احتمالان أحدهما يوجب صرف الظاهر إلى خلافه والآخر يوافقه نحو أن يقول لا يجب عليك ضرب زيد