السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

30

مفاتيح الأصول

التعاريف أن اللفظ الموضوع للمعنى لا يوصف بالحقيقة والمجاز قبل الاستعمال وقد صرّح به العلامة ولكنه قال هو نادر بل لا يوجد لعدم معظم فوائد الوضع الثاني اعلم أن الأعلام الشخصية كزيد وعمرو وبكر لا تتصف بالحقيقة اللغوية ولا بالمجاز أما الأول فلأن الوضع فيها ليس من الواضع للغة بل من آحاد الأشخاص فإن زيدا مثلا لم يضعه واضع اللغة للمسمى به بل وضعه والده له وهو واضح فلا يكون حقيقة لغوية لأن الشرط فيها أن يكون الوضع مستندا إلى واضع اللغة فتأمل وأما الثاني فلأنّ الاستعمال في معانيها ليس باعتبار المناسبة للمعنى اللغوي ولعل من قال إن الأعلام لا تتصف بالحقيقة والمجاز كالرازي والآمدي على ما حكي أراد ما ذكرناه وإلا فلا معنى لنفي كونها حقائق في معانيها المستعملة هي فيها لصدق تعريف الحقيقة عليها كما لا يخفى وقد صرّح بما ذكرناه السيد عميد الدين وحكي عن الغزالي في متلمح الصفة دعوى اتصافها بالمجازية ولعل الوجه فيه أن أكثرها منقول عن اللغة إلى معانيها المتعارفة بل كلها على ما حكي عن سيبويه من أن الأعلام كلها منقولة فتكون مجازات وفيه نظر واضح مفتاح اعلم أن الخطاب الشرعي بل كل كلام يلقى إلى مخاطب إذا كان معناه الحقيقي حين الخطاب معلوما وعلم بتجرده عن القرينة فالواجب الحمل عليه ولا بد في حمله على المجاز من قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة كما صرح به السيد في الذريعة والشيخ في العدة وابن زهرة في الغنية والمحقق في المعارج والعلامة في النهاية والتهذيب بل عليه إجماع الأصوليين وهذا أحد معاني قولهم المجاز على خلاف الأصل وإن الأصل في الاستعمال الحقيقة واحتجوا عليه بوجوه الأول الإجماع وقد حكاه في النهاية الثاني ما ذكره في المعارج وأشار إليه في النهاية من أن واضع اللغة وضع اللفظ للدلالة على معناه فكأنه قال عند الإطلاق أريد به ذلك المعنى فلو لم يفد عند الإطلاق كان ناقضا الثالث ما ذكره بعض الأفاضل وأشار إليه في الذريعة والغنية من أن المعنى الحقيقي هو الظاهر من اللفظ عند الإطلاق فيتعين إرادته في كلام الحكيم لأن إرادة غير الظاهر من دون نصب قرينة يستلزم الإغراء بالجهل وتكليف ما لا يطاق كما صرّح به في المسالك ولدعوى الإجماع عليه في كلام بعض الأجلة ولقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم ولما ورد من أن الله سبحانه أجل من أن يخاطب قوما ويريد منهم خلاف ما هو بلسانهم وما يفهمونه الرابع ما ذكره العلامة في النهاية والتهذيب من أنه لو تجرد اللفظ عن القرينة فإما أن يحمل على حقيقته وهو المطلوب أو على مجازه وهو المحال إذ شرط حمله على المجاز القرينة فإن الواضع لو أمره بحمله على مجازه عند التجرد كان حقيقة إذ هو معناها أو عليهما معا وهو محال وإلا لكان حقيقة في ذلك المجموع لو قال احملوه عليهما ولو قال احملوه إما على هذا أو على هذا كان مشتركا أولا على واحد منهما وهو محال وإلا لكان مهملا الخامس ما ذكره بعض الأفاضل من أنه لو لم يجب الحمل على الحقيقة لوجب التوقف أو الحمل على المجاز وكلاهما باطل أما الأول فلأن وجوب التوقف لا يكون إلا لإجمال اللفظ وتردد الذهن في تعيين المراد والحكم بكون الألفاظ بأسرها مجملة مترددة بين حقائقها ومجازاتها أبدا مما يكذبه الوجدان وكذا الاتفاق على وجود اللفظ المحكم الدلالة وعدم الانحصار في المجمل وأما الثاني فلأنه يقتضي كون المجاز أصلا وفساده ظاهر إذ من الممتنع أن يعين الواضع اللفظ لمعنى ثم يكون استعماله فيما لم يوضع له أصلا في تلك اللغة لا يقال إن المجاز أغلب في كلام العرب فاللازم إما الحمل عليه أو التوقف أما الأول فلوجهين الأول ما حكي من تصريح جماعة من أهل اللغة ومنهم ابن جني وابن متويه بأن أكثر اللغات مجازات ويؤيده أمران أحدهما ما قيل من أن الفقهاء وأكثر الأصوليين كثيرا ما يذكرون ذلك في مقام الترجيح أو بيان عدم أولويّة الحقيقة نقلا عن محققي أهل اللغة وثانيهما ما ذكره جمال الدين الخوانساري رحمه الله فقال إنهم صرّحوا بأن المجاز أكثر اللغة الثاني الاستقراء فإن الغالب على العمومات التخصيص حتى اشتهر ما من عام إلا وقد خصّ والغالب على الأوامر والنواهي الاستعمال في غير الوجوب والحرمة ولذا توقف جماعة في المجرد منها والغالب على المعارف عدا الأعلام التجوز بناء على أن الوضع والموضوع فيها عامان والمستعمل فيه خاص والغالب على أسماء الأجناس الاستعمال في الأفراد مع إرادة الخصوصية من نفس اللفظ وهو مجاز والغالب على الإسنادات التجوز نحو مات زيد وقد حكي عن ابن جني الاستدلال بهذا على مدعاه فقال فإنك إذا قلت قام زيد اقتضى الفعل إفادة الجنس وهو يتناول جميع الأفراد فيلزم وجود كل فرد من أفراد القيام من زيد وهو معلوم البطلان وإذا قلت ضربت زيدا كان مجازا من حيث إنك ضربت بعضه لا جميعه بل لو قلت ضربت رأسه لم يكن قد ضربت من جميع جوانبه وهاهنا مجاز آخر فإنك إذا قلت رأيت زيدا أو ضربته فزيد ليس إشارة إلى هذه الجملة المشاهدة لتطرق الزيادة والنقصان والتبدل عليها وإنما هو أجزاء أصلية لا يعتورها شيء من ذلك فلعل تلك الأجزاء لم يقع عليها الرؤية ولا الضرب