السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
297
مفاتيح الأصول
ولا خطاب عليهما لأنهما منسوبان إلى الغفلة والتقصير لكن الله تعالى عفي عنهما بخلاف الحائض ولهذا يجب عليهما التشبه بالصائمين بالإمساك بقية النهار دون الحائض وقيل إن الإطلاق حقيقة لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب للعارض لاستدراك مصلحة ما وجب رفعا للمجاز والاشتراك ومنها الرخصة والعزيمة وقد أشير إليهما في جملة من الكتب ففي التهذيب والمنية الفعل قد يكون عزيمة وهو ما جاز فعله لا مع قيام المقتضى للمنع منه أو رخصة وهو الجائز معه فمباح الأصل ليس رخصة وتناول المنية رخصة وقد يجب الرخصة كالتناول عند الهلاك وفي النهاية العزم في اللغة القصد المؤكد قال الله تعالى فنسي ولم نجد له عزما أي قصدا وفي العرف الشرعي عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى أو ما جاز فعله من غير مانع وأما الرخصة في اللغة عبارة عن التيسير والتسهيل ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء وأما في الشرع فقال بعض أصحاب الرأي إنها عبارة عما أبيح فعله مع كونه حراما وفيه تناقض وقيل ما رخص فيه وهو مع التناقض دائر وبيان التناقض أن الرخص مشتق من الرخصة وهو غير خارج عن الإباحة وقيل ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم وهو غير جامع لأن الرخصة كما تكون بتركه كإسقاط صوم رمضان والركعتين عن المسافر والأقرب أن يقال الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم ليعم النفي والإثبات معا ومباح الأصل كالأكل والشرب لا يسمى رخصة وما لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال وصلاة النافلة لا يسمى رخصة ويسمى تناول الميتة رخصة وكذا سقوط الصوم عن المسافر وسقوط الركعتين ثم الذي يجوز فعله مع قيام المقتضي للمنع قد يجب كأكل الميتة عند خوف التلف وقد لا يجب كترك كل الكفر عند الإكراه ثم قال اعلم أنه لا استبعاد في كون الشيء رخصة باعتبار وواجبا باعتبار كالقصر وأكل الميتة في المخمصة وفي المختصر أما الرخصة فالمشروع مع قيام المحرم لولا العذر كأكل الميتة للمضطر والقصر في السفر واجبا ومندوبا وفي شرحه الرخصة هو ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرم لولا العذر والعزيمة بخلافها وحاصله أن دليل الحرمة إذا بقي معمولا به وكان التخلف عنه لمانع طارئ إلى المقصود المكلف لولاه لثبت الحرمة في حقه فهو الرخصة وإلا فالعزيمة فخرج من الرخصة الحكم ابتداء وما نسخ تحريمه أو خصص من دليل محرم الرخصة قد تكون واجبا كأكل الميتة للمضطر أو مندوبا كالقصر في السفر أو مباحا كالفطر في السفر مفتاح لا يجوز أن يكون الفعل زائدا على وقته بحيث لا يتمكن من الإتيان به بأجمعه في ذلك الوقت كالإتيان بأربع ركعات في مقدار ركعة ويجوز مساواة الفعل لوقته كصوم يوم معين وهو المسمى بالمضيق كما صرح به في النهاية والمنية وغاية المأمول ويجوز ويمكن زيادة الوقت على الفعل بحيث لو أتى به في أي جزء من أجزائه لكان متمثلا وهو المسمى بالموسع أما الحكم الأول فقد صرح به في الذريعة والعدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي والمنتهى والتحرير والمنية وشرح المبادي والزبدة وغاية المأمول وبه صرح أيضا جدي الصالح في شرح الزبدة ولهم وجهان أحدهما ظهور اتفاق المحققين بل لم أجد مخالفا صريحا نعم قال هو جائز عند مجوزي تكليف ما لا يطاق ولكن من الظاهر أنه لا عبرة بقولهم وثانيهما ما تمسك به في الذريعة والنهاية والمنتهى والسرائر والمنية وغاية المأمول وغيرها من أنه لو جاز ذلك لجاز التكليف بما لا يطاق والتالي باطل قطعا فكذا المقدم وأما الملازمة ففي غاية الظهور لا يقال لو لم يكن ذلك جائزا لما وجب على الحائض إذا طهرت وقد بقي من الوقت مقدار ركعة والطهارة الإتيان بالصلاة بتمامها وكذلك الصبي إذا بلغ وقد بقي من الوقت المقدار المذكور والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأن تمام الصلاة لا يسعه الوقت المفروض لأنا نقول هذا باطل لأنه إن أريد وجوب الإتيان بجميع أجزاء الصلاة في ذلك الوقت بحيث لو أتى بشيء منها في خارجه لم يكن ممتثلا وكان عاصيا فبطلان التالي ممنوع بل هو باطل قطعا لا يقال الرواية المشهورة من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك تدل على وجوب الإتيان بتمام الصلاة في ذلك الوقت فلا يمكن منع التالي لأنا نقول غاية الرواية بعد تسليم سندها الظهور وهو لا يقاوم القاطع الذي بيناه وإن أريد وجود التلبس بالصلاة وكون درك ذلك الوقت سببا لوجوب الاشتغال بها فهو مسلم ولكن الملازمة حينئذ ممنوعة وقد أشار إلى ما ذكرناه في جملة من الكتب ولا فرق فيما ذكرنا بين الواجب والمندوب كما صرح به في المنية فإن عدم جواز التكليف بالمحال لا يختص بالأول وأما الحكم الثاني فقد صرح به في الذريعة والعدة والمعارج والتهذيب والنهاية والمنتهى والسرائر والمبادي وشرحه وغيرها وبالجملة هو مما لا خلاف فيه وقد صرح بدعوى الإجماع عليه في المعارج والتهذيب والسرائر والمبادي وشرحه وفي المنتهى هو متفق عليه بين أهل العلم وفي العدة لا خلاف فيه وفي المنية هو متفق على جوازه وفي النهاية وشرح الزبدة لجدي الصالح رحمه الله لا نزاع في وقوعه ولا فرق في ذلك بين الواجب والمندوب أيضا وقد صرح به في المنية أيضا وأما الحكم الثالث فقد اختلفوا فيه على قولين الأول أنه جائز وواقع وهو للذريعة والعدة والغنية والمعارج والتهذيب والنهاية والمنتهى والسرائر والمبادي وشرحه والمنية والمعالم وشرح الزبدة لجدي الصالح رحمه الله المختصر وشرحه والمعراج وفي المعارج الأكثرون على جوازه وفي النهاية ذهب إليه محمد بن شجاع البلخي وأصحاب الشافعي والجبائيان وأصحابهما وهو مذهب السيد المرتضى رضي الله عنه وأبي الحسين البصري