السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
286
مفاتيح الأصول
على الوجوب وهو لا يصلح لذلك أيضا لأن المعهود من طريقة القوم ترجيح احتمال التقييد مطلقا ولو كان متعددا على احتمال التجوز ألا ترى أنهم يحملون الأخبار الكثيرة المطلقة على مقيد واحد وإن كان ظاهر الدلالة وقابلا للتجوز ولو كان التقييدات محذورا لا يجوز المصير إليه في مقام المعارضة لاحتمال المجاز لما جاز ذلك منهم فتأمل وعلى ما ذكر فالرواية ظاهرة الدلالة على الوجوب اللهم إلا أن يقال أن الرواية إذا لم يمكن حملها على المماثلة العامة كما هو ظاهرها انصرفت إلى المماثلة في أصل الجنس ولا بعد في إرادته فإنه شائع الاستعمال تقول أكلت كما أكلت وشربت كما شربت ومشيت كما مشيت وكتبت كما كتبت بل لو قيل إن احتمال إرادة هذا في الرواية لا يقصر عن احتمال إرادة المماثلة العامة لم ينكر فتأمل وبالجملة الاعتماد على مثل هذه الرواية القاصرة السند والدلالة في إثبات أصل عظيم لا يخلو عن إشكال وقد صرّح في الذخيرة بحملها على الاستحباب مفتاح اعلم أنه يظهر من جماعة من الأصحاب أن مداومة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام على فعل دليل على وجوبه منهم المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والسّيد فيما حكي عنه وأبطل هذا المسلك أكثر الأصحاب منهم الشهيد في الذكرى والمحقق الثاني في جامع المقاصد والشهيد الثاني في الروضة وسبطه في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة والمقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة فقالوا المواظبة أعم من الوجوب والعام لا يستلزم الخاص وزاد جماعة منهم فقالوا وليس ذلك بأبلغ من المداومة على رفع اليدين بتكبيرة الإحرام ونحوه مع استحبابه وفي المدارك والذخيرة إنهم كانوا يحافظون على السنن كما يحافظون على الواجبات انتهى وقد يقال إن النقص بالمداومة على المستحبات إنما يتم لو ادعى الأولون الملازمة العقلية بين المداومة والوجوب وأما إذا أرادوا كونها ظاهرة في الوجوب باعتبار أن الغالب فيما يداوم عليه كونه واجبا ولذا يحكم بكون الفعل لازما إذا تحقق مداومته عادة فلا يتم ذلك لأن وقوع خلاف الظاهر وثبوته بالدليل لا يمنع من الظهور وكونه أصلا في مقام الشك اللهم إلا أن يمنع من الظهور وفيه نظر بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم باب التقرير مفتاح إذا شك في حرمة فعل لم يحكم العقل بقبحه وحرمته كما إذا شك في حرمة الغناء وحرمة قراءة الجنب ولم يمنعه ولم يوبخه ولم يعزره ولم يصرّح له بحرمته مع قدرته صلَّى اللَّه عليه وآله على كل ذلك وعلمه بأن الفاعل لم يعلم بحكم ذلك الفعل بوجه وبأن الفاعل أتى به متعمدا مختارا بمحض شوق نفسه إليه خاليا عن الأعذار المسقطة لحرمة الفعل والمجوّزة لفعل الحرام كالضرورة والغفلة والنسيان وبالجملة يفعل ذلك بحيث لو اتصف ذلك الفعل في الشريعة بالحرمة لكان الفاعل فاعلا لمحرم بحضرته صلَّى اللَّه عليه وآله الشريفة مع اطلاعه عليه فهل يكون عدم إنكاره صلَّى اللَّه عليه وآله وعدم منعه وزجره ونهيه الفاعل وتقريره على ذلك الفعل كما لو صرّح به أو فعله فيكون التقرير المفروض من الأدلة الشرعية الكاشفة عن الواقع أو لا بل يجب الرجوع في معرفة حكم الفعل المفروض إلى دليل آخر ورفع اليد عما ذكر فإن وجوده كعدمه في عدم الدلالة على الحكم الشرعي كما أن سكوت غيره لا يدل على الرّضا بالشيء ولا على عدمه المعتمد هو الأول وفاقا للذريعة والغنية والعدة والنهاية والمختصر وشرحه والأحكام وبعض مؤلفات السّيد الأستاذ قدس سره ولهم وجوه منها ظهور اتفاق القوم عليه ومنها أن الفعل المفروض لو كان حراما للزم أن يكون النبي صلى الله عليه وآله مرتكبا للقبيح والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأنه صلَّى اللَّه عليه وآله يلزم أن يكون تاركا لإنكار القبيح وهو قبيح عقلا وأما بطلان التالي فواضح ومنها أنه لو كان الفعل