السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

284

مفاتيح الأصول

كما أوقعه من جميع الجهات فلو نكس في غسل الوجه مثلا وهو قد ابتدأ بالأعلى لم يكن فعله مماثلا لفعله صلَّى اللَّه عليه وآله لا يقال المماثلة كما تحصل بالموافقة من جميع الجهات كذا تحصل بالموافقة من جهة فيكون أعم والعام لا يجوز التمسك به في محل التنازع إذ لا دلالة له على الخاص إلا إذا لم يحصل موافقة أصلا فيجوز التّمسك به حينئذ ولكن ليس الكلام فيه لأنا نقول المماثلة إذا وجبت على الإطلاق كان المفاد المماثلة من جميع الوجوه ولذا إذا قال السّيد لعبده افعل مثل فعل زيد وأتى العبد بذلك الفعل تاركا لجهة من المماثلة عدّ عاصيا ولا يقال نفي القبول لا يستلزم عدم الإجزاء والخروج عن العهدة لجواز الانفكاك كما في إنقاذ الغريق وغسل الثوب لغير اللَّه تعالى فإنهما غير مقبولين ولكنهما مخرجان عن عهدة التكليف بهما وقد أشار إلى نفي التلازم بينهما السّيد في الانتصار فقال إن لفظ القبول مشترك في عرف الشرع بين أمرين الإجزاء والثواب على الشيء والمشترك وإن كان ينزل على معانيه إلا أنه قد قام دليل هنا على عدم إرادة الأول فيحمل على الثاني لأنا نقول نفي القبول وإن لم يستلزم ذلك ولكن يستلزم نفي استحقاق الثواب وصدق الإطاعة والامتثال والقربة وهو ينافي الصحة الوضوء لما ثبت من اشتراط الوضوء بالمذكورات ولا يقال هذا القول منه صلَّى اللَّه عليه وآله لم ينقل عنه بطريق يجوز التعويل عليه بل بطريق الإرسال والمرسل لا يصلح للحجية لأنا نقول إن الصدوق رواه عن الصادق عليه السّلام عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله من غير ذكر الواسطة فقال وقال الصادق عليه السلام واللَّه ما كان وضوء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله إلا مرة مرة وتوضأ النبي صلَّى اللَّه عليه وآله مرة مرة فقال هذا وضوء إلى آخره ونحو هذا الإرسال يكون حجة كما يظهر من العلامة في بعض كتبه على أن جمعا كثيرا من أعاظم الأصحاب كالفاضلين والشّهيدين وثاني المحقين وغيرهم استدلوا به بل ادعى الفاضل البهائي في الأربعين الاتفاق على الاستدلال به وليس ذلك إلا لثبوت جواز التعويل عليه عندهم ويؤيّده ما نصّ عليه في أول من لا يحضره الفقيه من أنه لا يروي إلا ما يعتمد عليه ويكون حجة بينه وبين ربّه الثاني أنه قد حكي وضوء النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله ووضوء أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض الأخبار ولا فائدة فيه إلا بيان وجوب الإتيان بمثله الثالث أنه صلَّى اللَّه عليه وآله بيّن واجبات الوضوء بفعله فكان فعله صلَّى اللَّه عليه وآله في مقام بيان الواجب المجمل فيجب الإتيان به وقد يناقش في الجميع أما في الأول فأولا بضعف السّند إما لعدم حجية نحو هذا المرسل كما هو ظاهر إطلاق كثير من الأصوليين بناء على شيوع استعمال نحو قول الصادق عليه السلام فيما إذا كانت النسبة إليه مظنونة لا مقطوعة فيرجع إلى تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح والحق التوقف ولظهور القرينة على الخطاء وهي عدم الإشارة إليه في الكافي والتهذيب في مقام نقل الوضوء البياني وإلا العثور عليه بطريق مسند مع بعد حصول التواتر والاحتفاف بالقرائن القطعية للصدق ودون ثقة الإسلام وشيخ الطائفة وغيرهما من أهل الحديث وليس في استدلال الجماعة المشار إليهم دلالة على ثبوت النقل لاحتمال كونه من باب الإلزام حيث أنه منقول من طريق المخالفين ويلزمونهم برواياتهم ويؤيد هذا أن العلامة في المختلف لم يحتج به أصلا ولا في المنتهى في بعض مسائل الوضوء وقد صرّح المقدس الأردبيلي رحمه الله بعدم ثبوته وبالجملة الظاهر من جماعة من متأخري المتأخرين الإعراض عنه وأما ما ادعاه الشيخ البهائي من الاتفاق على الاستدلال به فممنوع كمقالة الصدق وفي أول كتابه وثانيا بضعف الدلالة قوله صلَّى اللَّه عليه وآله لا يقبل إلى آخره كما يمكن جعله صفة للموضوع وهو المنار إليه بهذا كذا يمكن جعله صفة للمحمول ويكون المعنى هكذا ما فعلته فرد من أفراد الوضوء الذي لا يقبل اللَّه الصّلاة إلا به نظير قولهم اشتريت ثوبا يحتاج إليه كل إنسان فلا يلزم من كون ما فعله صلَّى اللَّه عليه وآله فردا من ذلك أن لا يكون غيره كذلك بل الأخير أوفق بالقواعد وإن كان الأول بحسب بادي النظر أظهر للزوم الأول حمل قوله به على المماثلة واستثناء جملة من الأمور منها كالغسل باليمنى والمسح بثلاث أصابع والبدأة بالأعلى في المسحين والغسل مرتين والغسل بالغمز والحركات والسكنات التي لم تعتبر في الوضوء بالإجماع ولا يلزم شيء منهما في الثاني على أنه قد منع بعض المحققين من اعتبار المماثلة من جميع الوجوه قائلا بأنها تصدق إذا تحققت في بعضها كالغسلات والمسحات وقال المحقق الخوانساري في المشارق في جملة كلام له وحينئذ لا دلالة لأن المماثلة لا نسلم ظهورها في المساواة في جميع الصفات والأحوال الممكنة غاية ما في الباب ظهورها هاهنا في المساواة في الأمور التي يعلم أنها ليس من باب العادات والاتفاقات وأما فيما عداها مثل الغسل من الأعلى فلا لأنه من قبيل الأمور الأخرى من كيفية الحركات الواقعة فيه وحدودها من السرعة والبطء وغير ذلك مما لا ريب في عدم متابعته ولو لم نقل بظهور عدم وجوب رعاية المساواة فيه فلا أقل من عدم ظهور الواجب انتهى وأيضا الذي يظهر من صد الرّواية وهو قوله عليه السّلام توضأ النّبي صلى الله عليه وآله مرة مرة وذيلها وهو ما أشار إليه في الذخيرة من قوله توضأ مرتين فقال هذا وضوء من ضاعف اللَّه له الأجر أن المراد بقوله لا يقبل إلى آخره بيان عدم جواز الأقل من المرة من غير التفات إلى اعتبار