السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

274

مفاتيح الأصول

والمنية والمعراج فقالوا إنه معارض بإبهام النسخ في الأمر للبداء فإنه لما لم يمنع من تطرق النسخ إليه فكذلك الخبر الثاني ما ذكره في النهاية فقال الجواب إبهام الكذب إنما يلزم أن اتحد المدلولان أما مع التغاير فلا والتغاير هنا ثابت لأن قوله لأعذبن الزاني وإن دل بظاهره على التأبيد إلا أن قرينة النسخ دلت على أن المراد بذلك مدة معينة كالأمر والنهي فإن الدّليل بهما إذا كان مؤبّدا ثم نسخه لم يلزم البداء لا يقال إنما يلزم دلالة النهي على أن الأمر لا يتناوله النهي لأنا نقول الدليل الناسخ دلّ على أن الخبر المنسوخ لم يتناوله الدليل الناسخ وإذا تغاير المطلقان ارتفع الكذب كما ارتفع البداء في الأمر والنهي انتهى وفي التهذيب الكذب غير لازم وفي الإحكام إن ذلك إنما يفضي إلى الكذب إن لم يكن حمل الناسخ على غير ما أريد من الخبر وفي المعراج والحق أن إبهام الكذب والبداء يندفع بواسطة الناسخ وثانيهما أنه لو جاز ذلك لجاز أن يقول أهلك الله عادا ولم يهلكهم ومن الظاهر بطلان التالي وأجاب عنه في النهاية والمنية والإحكام فقالوا الجواب أن إهلاك عاد غير شكر لاستحالة التعدد في إهلاكهم فقوله أهلك اللَّه عادا إنما يتناول المرة الواحدة فقوله بعد ذلك ما أهلكهم يرفع تلك المرة فيكون كذبا فزاد في الأولين فقالا أما لو قال المراد إهلاك بعض عاد جاز لكنه لا يكون نسخا بل تخصيصه لا أنه تخصيص بالأشخاص لا بالأزمان ومنها ما يمكن حمله على ظاهره من الإخبار فيكون إخبارا عن حكم شرعي وضعي كما في قوله عليه السلام لا صلاة إلا بطهور وقوله البيعان بالخيار إلى آخره وقوله المؤمنون عند شروطهم ونحو ذلك وهذا القسم أيضا لا إشكال ولا شبهة في جواز نسخه كما يستفاد من الذريعة والغنية والمعراج والنهاية والتهذيب وشرحه والمنية والإحكام والمعارج وربّما يظهر من جملة من العبارات وجود الخلاف هنا أيضا ومنها ما يمكن حمله على ظاهره من الإخبار ولا يكون إخبارا عن حكم شرعي مطلقا بل عن غيره ولا يمكن تغيره وتبدله كما في قوله الواحد نصف الاثنين والكل أعظم من الجزء ونحو ذلك وهذا القسم لا إشكال ولا شبهة في عدم جواز نسخه كما نبّه عليه في الذريعة والتهذيب والمنية والمختصر وشرحه وقد ادعى عليه الاتفاق في الإحكام وشرح المختصر وفي المنية وإن كان مما يمتنع تغيره مثل قولنا العالم حادث لم يجز وهو الأصح عندنا وعند المعتزلة لأنه يكون كذبا واللَّه تعالى منزه عنه ومنها ما يمكن حمله على ظاهره من الإخبار ولا يكون إخبارا عن حكم شرعي مطلقا بل عن غيره ويمكن تغيّره وقد اختلفوا في جواز نسخه على أقوال ولا فائدة مهمة في هذا البحث السّادس قال في النهاية قال قاضي القضاة يبعد أن ينفي وجوب الفعل ويحرم العزم على أدائه إلا أن يجوز كون العزم عليه مفسدة ويستحيل أن يحرم عليه إرادة المقارنة له لأنه لا يكون الفعل واقعا على ما أمرنا به أن يوقعه عليه إلا مع مقارنتها مفتاح إذا حكم الشارع بتوقيف عبادة على أمر إما يجعله جزءا لها كما في الركوع بالنسبة إلى الصّلاة أو يجعله شرطا لها كما في الوضوء وتطهير الثوب بالنسبة إليها أيضا ثم أسقط باعتبار أمر عارض وعذر من قبل المكلَّف هذا التوقف وحكم بجواز ترك ذلك فعدم التوقف عليه وعدم لا بدّيته في جميع الحالات والأوقات فلا إشكال في أن هذا النقص من العبادة نسخ ذلك المنقوص الذي كانت العبادة متوقفة عليها جزءا كان أو شرطا كما صرّح به في المعارج والتهذيب والمبادي وشرحه وقد صرّح بدعوى الاتفاق عليه في جملة من الكتب ففي الذريعة اعلم أنه لا خلاف في أن النقصان من العبادة يقتضي نسخ ما أسقط لأنه كان واجبا في جملة العبادة وفي النهاية اتفق الناس كافة على أن النقصان من العبادة نسخ لما أسقط وفي شرح المختصر أما النقصان عنها وهو أن ينقص جزء أو شرط مثل أن يسقط من الظهر ركعتان أو يبطل اشتراط فيه فهو نسخ للجزء أو الشرط اتفاقا وهل يكون ذلك نسخا لأصل تلك العبادة أيضا أو لا اختلفوا فيه على أقوال الأول أن ذلك ليس نسخا لها ولا تصير منسوخة به مطلقا ولو كان المنقوص جزءا ركينا وهو للمعارج والنهاية والمبادي وشرحه والمختصر والإحكام وحكاه في جملة من الكتب عن بعض ففي النهاية والمنية والإحكام اختلفوا في أن نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة هل يكون نسخا لتلك العبادة أم لا فذهب الكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن ذلك لا يكون نسخا لتلك العبادة سواء كان المنسوخ جزءا من تلك العبادة كالركعة من صلاة الظهر مثلا أو شرطا خارجا عن المفهوم الثاني أن ذلك نسخ لتلك العبادة مطلقا ولو كان المنقوص شرطا لها وهو للمحكي في النهاية والمنية عن قوم من المتكلمين وصرّح في الثّاني نسبته إلى الغزالي وفي الأول كما في الإحكام إليه ميل الغزالي وفي العدة في كلام الشافعي ما يدلّ على ذلك الثالث ما أشار إليه في النهاية وشرح المبادي والإحكام وشرح المختصر فقالوا ومنهم من فصّل ووجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها وهو قول القاضي عبد الجبار انتهى وربما يستفاد من العدّة أيضا الرابع ما صار إليه في الذريعة فقال بعد ما حكينا سابقا وإنما الكلام في أنه هل يقتضي ذلك نسخ المنقوص منه فذهب قولهم إلى أنه يقتضي نسخ المنقوض منها وذهب آخرون إلى أنه لا يقتضي ذلك والواجب أن يعتبر هذا النقصان فإن كان ما بقي بعده من العبادة من فعل لم يكن له حكم في الشريعة ولم يجر مجرى فعله قبل النقصان فهذا النقصان نسخ له كما قلناه في زيادة ركعتين على ركعتين على جهة الاتصال لأن العلة في الموضعين واحدة وإن لم يكن الأمر على ذلك فالنقصان ليس بنسخ لتلك العبادة ومثاله أن ينقص من الحد عشرون فإن ذلك لا يكون نسخا في الحد عشرون فإن ذلك لا يكون نسخا في الحدّ انتهى وقد صرّح بما ذكره من التفصيل في الغنية فيكون موافقا كما يظهر من التهذيب فإنه استجود من المفصّل المذكور للقول الأوّل ما تمسّك به في النهاية والمبادي وشرحه فقالوا لأن المقتضى للكل متناول للجزءين معا فخروج أحدهما لا يقتضي نسخ الآخر كسائر أدلَّة التخصيص