السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
272
مفاتيح الأصول
أن نسخ حكم الأصل يوجب رفع حكم الفرع لاستحالة بقاء الفرع دون أصله وإن لم يسم ذلك نسخا وإن كان الثاني فلا يخفى أن دلالة اللَّفظ على تحريم التأفيف بجهة وضع اللفظ وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى وهما دلالتان مختلفان غير أن دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق وعند ذلك أمكن أن يقال دفع حكم أحد الدّليلين لا يلزم منه رفع حكم دلالة الآخر فإن قيل فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق فرفع الأصل مما يمتنع معه بقاء التابع قلنا ثم ساق الجواب المذكور وفيه نظر لأن حكم الفرع إنما استفيد ممّا دلّ على حكم الأصل فإذا طرقه النسخ سقطت دلالته على الأصل باعتبار أن النسخ تخصيص في الأزمان فيلزم أن يسقط الدلالة على الفرع أيضا فلا يكون بحكمه دليلا ويمتنع ثبوت الحكم بدون دليل فتأمل وقد أشار إلى ما ذكرنا في النهاية أيضا فقال بعد الإشارة إلى الجواب المذكور وفيه نظر فإن تحريم الضّرب إنما استفيد من تحريم التّأفيف لرفعه يقتضي البقاء على ما كان الحكم عليه قبل التنصيص انتهى وللآخرين ما أشار إليه في المختصر وشرحه ففي الأول لنا أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب وفي الثاني انتفاء تحريم التأفيف مع بقاء تحريم الضرب رفع الملزوم بقاء اللازم وهو جائز ثم قال القائلون بالجواز قالوا إفادة اللفظ للأصل والفحوى دلالتان متغايرتان فجائز رفع كلّ واحدة منهما بدون الآخر ضرورة والمعتمد عندي هو القول الأوّل واعلم أنه قال في المعراج اعلم أن الفحوى تكون ناسخة لأن الفحوى لا تخلو من أن يكون دليلا لفظيا أو عقليا فإن كان لفظيا فجاز أن يكون ناسخا كما في سائر الأدلة اللفظية وإن كان عقليا فبطريق أولى لأن العقل أولى من اللفظ انتهى وقد أشار إلى ما ذكره من جواز النسخ بالفحوى في الذريعة أيضا قال لأنه جاز في فهم المراد منه مجرى الصريح فما جاز فيه انتهى وهو جيّد وكما يجوز النسخ بها يجوز النسخ بسائر الأدلة المفاهيم التي هي حجة مفتاح لا إشكال ولا شبهة في أن الإخبار عن الشيء فعل اختياري للمكلف فيجوز اتصافه بأحد الأحكام الخمسة الشرعية على وجه التأبيد فيجوز أن يحكم بوجوب الإخبار عن وجود الصانع وعدله أبدا وبحرمة الإخبار عن وجود الشريك له تعالى كذلك فإذا اتصف المفروض في الشريعة بأحد الأحكام الخمسة مقيدا بالتأبيد جاز نسخه كما يجوز نسخ حكم ما عداه من سائر الأفعال وقد صرّح بذلك في الذريعة والنهاية والتهذيب والمنية والإحكام وشرح المختصر ولهم وجوه منها ظهور الاتفاق عليها ومنها تضمن جملة من الكتب دعوى الإجماع ففي المعارج يجوز دخول النسخ في الخبر المأمور به كالإخبار بالتوحيد والعدل فيؤمر بذلك الخبر تارة وينهى عنه أخرى بحسب اختلاف المصلحة وهذا لا بحث فيه وفي النهاية منع أكثر الناس من نسخ الأخبار واختاره أبو عبد اللَّه البصري وقاضي القضاة والسّيّد المرتضى وأبو الحسين وتحرير القول فيه أن النسخ إما أن يكون لنفس الخبر أو لمدلوله فإن كان الأول فإمّا أن ينسخ تلاوته أو تكليفا به بأن يكون قد كلفنا بالأخبار بشيء فينسخ عنا التّكليف بذلك وهذان جائزان إجماعا سواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو مستقبلا وسواء كان ناسخ تكليف الإخبار به مما لا يتغير مدلوله كالإخبار بوجود اللَّه تعالى وحدوث العالم أو يتغير كالإخبار بكفر زيد وإيمانه وفي شرح المختصر الكلام في نسخ الخبر وله صورتان أحدهما نسخ إيقاع الخبر بأن يكلَّف الشارع أحدا بأن يخبر بشيء من عقلي أو عادي كوجود الباري تعالى وإحراق النّار وإيمان زيد ثم ينسخه فهذا أيضا جائز بالاتفاق وفي الإحكام النسخ إما أن يكون لنفس الخبر أو لمدلوله وثمرته فإن كان الأول فإما أن ينسخ تلاوته أو تكليفاته بأن يكون قد كلفنا أن يخبر بشيء فينسخ عنا التكليف بذلك الإخبار وكذلك واحد من الأمرين جائز بلا خلاف بين القائلين بجواز النسخ وسواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو مستقبلا وسواء كان ما نسخ تكليف الأخبار ربما لا يتغير مدلوله كالإخبار بوجود اللَّه وحدوث العالم أو يتغير كالإخبار بكفر زيد وإيمانه ومنها أن ذلك يجوز أن يقيد حكمه المعلَّق عليه بقيد يوجب رفعه عند عدمه فيجوز نسخه للقطع بعدم الفرق بينهما ومنها ما تمسّك به في التهذيب فقال يجوز نسخ الإخبار عن الشيء لأنه لا استبعاد في أن يزيل اللَّه التكليف بالإخبار علينا بشيء حتى الخبر عن التوحيد كما منع الجنب القرآن وفي الذريعة أما دخول معنى النسخ في نفس الإخبار جائز لأنه لا خبر كلفنا اللَّه تعالى أن نفعل إلا وقد يجوز أن يزيل عنا التكليف في أمثاله حتى الخبر عن التوحيد ألا ترى أن الجنب قد يمنع من قراءة القرآن وقد كان يجوز مثله في الشهادتين ومنها ما تمسّك به في النهاية والإحكام فقال بعد ما حكينا عنه سابقا لأن كل ذلك حكم من الأحكام الشرعية فجاز أن تكون مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر وزاد في الأول فقال وذلك كما ندب المطهر إلى القرآن وحرم على الجنب بعضه فإذا جاز الاختلاف بالمصلحة والمفسدة بالنسبة إلى الأزمان وينبغي التنبيه على أمور الأوّل لا فرق في ذلك بين أن يكون للخبر المنسوخ إخباره صدق أو لا كما صرّح به في الذريعة والمنية وقالوا صدق الخبر لا يمنع من زوال التعبد به إذا اشتمل على المفسدة الثّاني لا فرق في ذلك بين أن يكون المنسوخ الإخبار ربما لا يتغير كالإخبار بتوحيده أو عدله والإخبار بما يتغير كالإخبار بكفر زيد وقد صرّح بذلك في الذريعة والمعارج والنهاية والتهذيب والإحكام وكذلك لا فرق بين أن يكون المنسوخ متعلقا بأمر عقلي أو شرعي أو عادي كما صرح به في شرح المختصر الثّالث هل يجوز نسخ الإخبار السابق