السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
249
مفاتيح الأصول
إني جعلت لك كلّ دابة مأكلا ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ثم حرم على موسى عليه السّلام وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوانات ومنها ما ذكره في التهذيب والمنية فقالا ويعارض اليهود بوقوع النسخ عندهم كما في البقرة التي أمروا بذبحها فإنه جعله مؤبّدا عليهم ثم نسخه والأمر بتعزيب حروفين كل يوم بكرة وعشية ثم نسخه ومنها ما أشار إليه في الإحكام فقال وقد احتج على منكر النسخ من اليهود بإلزامات متأخرا منها أن العمل كان مباحا في يوم السبت ثم حرم على موسى عليه السلام وقومه ومنها أن الختان كان في شرع إبراهيم عليه السلام جائزا بعد الكبر وقد أوجبه موسى عليه السلام يوم ولادة الطفل ومنها أن الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب عليه السلام وقد حرم في شريعة من بعده ثم أجاب عن هذه الحجة فقال بعد الإشارة إليها ولقائل أن يقول العمل في يوم السّبت والختان في حالة الكبر وكذلك الجمع بين الأختين كان مباحا بحكم الأصل ورفع ما كان مباحا بحكم الأصل العقلي لا يكون نسخا كما علم فيما تقدم انتهى وقد صرّح بهذا الجواب في شرح المختصر أيضا وأجاب عنه في النهاية بأن التقدير أنه أباح والإباحة وإن كانت هي الأصل إلا أنه لا ينافي حكم الشارع بها فرفعها يكون نسخا ومنها ما تمسك به في جملة من الكتب ففي المعارج وقع النسخ في شرعنا كنسخ التوجه إلى بيت المقدّس باستقبال الكعبة ونسخ الاعتداد في الوفاة بالحول إلى أربعة أشهر وعشر ونسخ ثبات الواحد في الجهاد بعشرة إلى ثباته لاثنين وفي العدّة أما من أبى النسخ من أصل المسألة فيبطله وقوع النسخ في شريعتنا بلا ارتياب لا خلاف بين الأمة أن القبلة كانت إلى بيت المقدس وأنه نسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة وكذلك نسخ الحول في عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرا ونسخ أيضا تقديم الصّدقة على المناجاة وكذلك نسخ وجوب ثبات الواحدة للعشرة بثبات الواحد لاثنين ونظائر ذلك كثيرة وفي التهذيب النسخ واقع للإجماع على كون شرعنا ناسخا لما تقدم وفي النهاية يدلّ على الوقوع الأدلة القاطعة على نبوة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وإجماع الأمة على وقوع النسخ كما في الاستقبال إلى الكعبة الناسخ للاستقبال إلى بيت المقدس والاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام الناسخ بالحول وغير ذلك من الآيات وفي المنية لنا على ذلك الوقوع إنّا نقطع بنبوة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بالبراهين القاطعة والأدلَّة الواضحة وذلك ملزوم لتحقق النسخ وإجماع الأمة فإنهم يختلفون في وقوع النسخ في الأحكام كما في نسخ التوجّه إلى بيت المقدس بالتوجّه إلى الكعبة والاعتداد من الزّيادة بالحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيّام وأن شريعة سيّدنا محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ناسخة لما تقدم من الشرائع وفي الإحكام وأمّا ما يدل على وقوع النسخ في الشّرع أمّا بالنسبة إلى من خالف من المسلمين في ذلك فهو أن الصّحابة والسّلف أجمعوا على أن شريعة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ناسخة لجميع الشرائع السالفة وأجمعوا على نسخ وجوب التوجّه إلى بيت المقدّس باستقبال الكعبة وعلى النسخ الوصيّة للوالدين والأبوين بآية المواريث ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ونسخ وجوب تقديم الصّدقة بين يدي المناجاة للرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ونسخ وجوب التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها ووجوب ثبات الواحد للعشرة المستفاد من قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون إلى آخره بقوله تعالى الآن خفف اللَّه عنكم إلى آخره إلى غير ذلك من الأحكام المتعددة ثم قال وأما منع كون شريعة محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ناسخة لشرع من تقدم فمخالف لإجماع السّلف وفي شرح المختصر لنا على الأصفهاني دليلا على الوقوع أن الأمة أجمعت على أن شريعتنا ناسخة لما يخالفها من الأحكام ثم نقول صحّة شريعتنا إن توقف على النسخ وقد ثبت بالبرهان فقد صح النسخ وإلا جاز إثبات النسخ بالأدلة الشرعية لأن كلَّما لا يتوقف عليه السمع يجوز إثباته والإجماع منها وأيضا التوجيه إلى بيت المقدّس كان واجبا إجماعا ونسخ بالتوجه إلى الكعبة وأيضا كانت الوصيّة للوالدين والأقربين واجبة وقد نسخت بآية المواريث وأيضا ثبات الواحد للعشرة كان واجبا ونسخ بثبات الواحد للاثنين وذلك كثير لا يخفى فمن أرادها فعليه بالكتب المصنفة فيه الثاني حكي عن اليهود الاستدلال للمنع من نسخ شريعة موسى عليه السّلام بوجهين أحدهما أن موسى عليه السّلام قال تمسّكوا بالسبت أبدا وقال أيضا تمسّكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرضين وهو لا يفيد المدعى لضعفه دلالة وسندا أما الأوّل فلما سيأتي إليه الإشارة وأما الثاني فلما ذكر في جملة من الكتب ففي النهاية وغاية المأمول والإحكام وشرح المختصر بمنع أن موسى عليه السّلام قال ذلك وتواتر اليهود انقطع وقد نسب وضع هذا القول لابن الراوندي ليعارض به دعوى الرسالة من محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لما ظهر من استهزائه بالدين ولهذا لما أسلم أحبارهم مثل كعب الأحبار وابن سلام ووهب بن منبة وغيرهم وقد كانوا أعرف من غيرهم بالتوراة لم يذكروا ذلك ولو كان ذلك حقا لعارضوا به النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وزاد في الإحكام فقال ثم إنهم مختلفون في نفس متن الحديث فإن منهم من قال الحديث إن أطعتموني كما أمرتكم به ونهيتكم عنه ثبت ملتكم كما ثبت السّماوات والأرض وليس في ذلك ما يدلّ على إحالة النسخ وفي المبادي والتهذيب والمنية الاحتجاج بذلك ضعيف لأنا نقطع عدم تواتر اليهود حيث استأصلهم بخت النصر إلا من شذ وثانيهما ما ذكره في المنية فقال احتجت اليهود بأن موسى عليه السّلام بيّن دوام شرعه وما كان كذلك