السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

243

مفاتيح الأصول

المحكي فيه عن الأصوليين ومن التعريف المحكي في النهاية وغيره عن الفقهاء قال في النهاية والمبادي وشرحه والمنية عنى بذلك أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت وحصل بعده حكم آخر لا تأثير له في زوال الأول للأوّلين ما أشار إليه في النهاية فقال احتج القاضي بأن النسخ لغة الإزالة فيكون في الشرع كذلك لأصالة عدم التغيير وأيضا الخطاب قد كان متعلقا بالفعل وذلك التعلَّق إن عدم لذاته استحال وجوده فلا بدّ من مزيل وليس إلا الناسخ ثم قال اعترض بأن التمسّك بالألفاظ لا يعارض الأدلة العقلية وكلام اللَّه تعالى عنده قديم كان متعلقا من الأزل إلى الأبد باقتضاء الفعل إلى وقت النسخ والمشروط يعدم بعدم شرطه فلا يفتقر في زواله إلى مزيل آخر انتهى وقد يستدل لهم بأنه لو لم يكن رفعا حقيقة لكان بيانا لانتهاء الحكم الأوّل والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلظهور اتفاق القوم على أنه إما رفع أو بيان الانتهاء ولا ثالث فإذا فرض بطلان الأول لزم الثاني ضرورة أن رفع أحد النقيضين يستلزم ثبوت الآخر وأما بطلان التالي فلأنه لو كان بيانا لانتهاء المدة للزم تأخير البيان عن وقت الخطاب لظهور أن الناسخ حينئذ يكون قرينة على أن المراد من الخطاب الدّال على دوام الحكم أبدا غير ظاهرة وهو ما ذكرناه من اللازم واللازم باطل لما دل على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب سلمنا جوازه ولكنه محل الخلاف والإشكال فيلزم أن يكون النسخ محل الخلاف والإشكال وهو باطل قطعا لأن جواز النسخ مجمع عليه بين المسلمين بل هو ضروري الدين إلا أن يقال هذا القسم من تأخير البيان عن وقت الخطاب مما لا خلاف في جوازه ولا إشكال في صحته لكنه محل إشكال ويعضد ما ذكر عدم صحة إطلاق لفظ النسخ حقيقة على كلها هو بيان لانتهاء المدّة والتزام أن جميع إطلاقات لفظ النسخ وما يشتق منه في الشرع مجاز ممّا يكذبه الوجدان وللآخرين وجوه منها ما حكاه في المنية عن أبي إسحاق من أنه لو لم ينته الحكم الأول بنفسه لما ارتفع أصلا لأن ارتفاعه حينئذ لا يكون إلا بطريان الضد للباقي فكذا الباقي ضدّ للطاري الباقي من غير عكس لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال ثم قال فإن قلت لا نسلم لزوم الترجيح من غير مرجح من إعدام الطاري الباقي وإنما يكون كذلك لو لم يكن الطاري أقوى من الباقي أمّا على ذلك التقدير وهو الواقع فلا وبيانه أن الطاري متعلق السبب والباقي منقطع السّبب لما ثبت في علم الكلام من كون الباقي مستغنيا عن المؤثر ومتعلق السّبب أقوى من منقطعة والقوة موجبة للرجحان ولجواز كون الطاري أكثر أفرادا من الباقي فيترجح عليه من هذا الوجه قلت نمنع من قوة الطاري على الباقي قوله لأنه متعلق السبب قلنا والباقي أيضا متعلَّق السبب لما ظهر في علم الكلام من أنّ علة احتياج الأثر إلى المؤثر إنما هي الإمكان وهو وصف يشترك فيه الطاري والباقي في قوله لجواز كون الطاري أكثر أفرادا من الباقي ممنوع لاستحالة اجتماع الأمثال ثم أجاب عن الحجة المذكورة فقال والجواب عنه أنه يجوز أن يكون الحادث أقوى من الباقي وإن لم يعلم سبب قوته وحينئذ لا يلزم من إعدامه إياه الترجيح من غير مرجح وإبطال إسناد قوته إلى اختصاصه بتعلَّق السّبب أو بكثرة أفراده لا يستلزم نفي قوته مطلقا فإن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام ومنها ما حكاه في المنية أيضا عن أبي إسحاق من أن حكم اللَّه تعالى خطابه وكلامه وهو قديم فلا يصحّ رفعه وأجاب فيه عن هذه الحجة أيضا فقال والجواب عنه أن خطاب اللَّه تعالى حادث عندنا وليس هو نفس الحكم بل دليل عليه ومنها ما حكاه في المنية أيضا عن أبي إسحاق من أن اللَّه تعالى إما أن يعلم دوام الحكم أو يعلم انقطاعه فإن كان الأول استحال نسخه لاستحالة انقلاب علمه تعالى جهلا وإن كان الثاني انتهى الحكم بذاته لا بطريان الضّد وهو المطلوب وأجاب عنه أيضا عن هذه الحجة فقال والجواب عنه أن المختار أنه تعالى علم انقطاعه ولكن لا يلزم من ذلك انتهاء الحكم وانقطاعه بنفسه لاحتمال علم اللَّه تعالى بانتهائه وانقطاعه يرفع الناسخ إياه ومنها ما حكاه في النهاية عن أبي إسحاق من أن طريان الحكم الطاري مشروط بزوال المتقدم فلو كان زوال المتقدم معللا بطريان الطاري لزم الدّور ثم قال واعترض بمنع أنه مشروط ولا يلزم من منافاة الشيء لغيره كون وجوده مشروطا بزواله كالعلة مع عدم المعلول ثم قال وفيه نظر فإذا لم تستدل بالمنافاة على كون الطاري مشروطا بزوال المتقدم بل الطاري مشروط بمحل يطرأ عليه وليس كلّ محلّ صالحا لأن يحلّ فيه كلّ عرض بل لا بدّ في كلّ عرض من محلّ خاص به قابل له وإنما يكون قابلا لو خلا عن القابل له فمن هذه الحيثية شرطنا في الطاري زوال السّابق والمعترض توهم الاشتراط بمجرد المنافاة ولم يتفطن للوجه فيه ومنها ما حكاه في النهاية أيضا عن أبي إسحاق من أن حدوث الطاري إن كان حال كون الأول معدوما لم يؤثر في عدمه لاستحالة إعدام المعدوم وإن كان حال كونه موجودا اجتمعا في الوجود فلا يتنافين فلا يرفع أحدهما الآخر وليس ذلك كالكسر مع الانكسار لأن الانكسار عبارة عن زوال تلك التّأليفات عن أجزاء الجسم