السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

240

مفاتيح الأصول

نقول إن أفعاله عليه السلام إذا كانت بيانا لجملة واجبة كانت واجبة وإذا كانت بيانا لجملة مندوب إليها كانت كذلك انتهى وصرّح بما ذكره في الذريعة والنهاية وهو جيد حيث يعلم كون ما يأتي به بيانا لنفس المبيّن وأما إذا علم أنه بيان لما يتحقق الامتثال بذلك المبين في ضمنه فلا يلزم من وجوب المبيّن وجوب البيان وكذلك إذا حصل الشّك في الأمرين فتأمل وفي الإحكام أما المساواة بينهما في الحكم فغير واجبة وذلك لأنه لو كان ما دل عليه البيان من الحكم هو ما دلّ عليه المتن لم يكن أحدهما بيانا للآخر وإنما يكون أحد الأمرين بيانا للآخر إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر لا على مدلوله ومع ذلك فلا إلحاد في الحكم مفتاح اختلفوا في جواز أن يؤخر النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم تبليغ العبادات والأحكام إلى وقت الحاجة إليها على قولين الأوّل أن ذلك جائز وهو للذريعة والعدة والغنية والمعارج والنهاية والتهذيب والمنية والإحكام والمختصر وشرحه والمعراج وفي العدّة ذهب إليه كثير من المحصّلين وفي الإحكام ذهب إليه أكثر المحققين وفي المنية هذا اختيار المحققين الثاني أنه لا يجوز وهو المحكي في جملة من الكتب عن قوم للأوّلين وجوه منها ما تمسّك به في المعراج والنهاية فقالا لنا لو وجب التقديم لكان إمّا عقليا أو نقليا والقسمان باطلان وزاد في الثاني فقال أمّا الأول فلأنه لو كان كذلك لكان له وجه وجوب يرجع إلى التكليف إمّا لأنه تمكين أو لأنه لطف فإن كان تمكينا فإما من الفعل أو من فهم المراد من الخطاب ومعلوم أنّه لم يتقدم خطاب مجمل فيكون هذا بيانه ولا يقف إمكان فعل العبادة على تقديم أدائها على الوقت الذي إذا بلغت العبادة فيه أمكن المكلَّف أن يستدل بالخطاب على وجوبها فيفعلها في وقتها وأمّا اللَّطف فليس في العقل طريق إليه كما أنه ليس في العقل طريق إلى كون تقديم تعريف اللَّه تعالى إيانا العبادة الَّتي يريد أن يتعبّدنا بها بعد سنة لطفا ولهذا لم يعرف اللَّه سبحانه على لسان نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم جميع ما يريد أن يتعبّدنا به في حالة واحدة وأمّا الثاني فلعدم دليل سمعيّ يدل عليه ومنها ما تمسّك به في النهاية والإحكام فقالا لأنه لو امتنع لم يخل إما أن يمتنع لذاته أو لأمر خارج الأوّل محال فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته وإن كان ذلك لأمر خارج فالأصل عدمه وزاد في الثاني فقال كيف وإن تأخيره يحتمل أن يكون فيه مصلحة في علم اللَّه تعالى يقتضي التّأخير ولهذا لو صرح الشارع بذلك لما كان ممتنعا ويحتمل أن يكون فيه مفسدة مانعة من التّأخير وليس أحد الأمرين أولى من الآخر فإن قيل قولكم ويحتمل وجود مفسدة في التقديم ومصلحة في التّأخير وليس أحد الأمرين أولى من الآخر مدفوع بأن هذا كما لا يمكن معه الجزم بامتناع التّأخير فلا يمكن معه الجزم بجواز التأخير الَّذي هو مذهبكم قلنا إنه إذا وقع التردد بين المصلحة والمفسدة تساقطا ويقينا على أصل الجواز العقلي انتهى وأشير إلى ما ذكره في جملة من الكتب ففي الغنية والذريعة يجوز التّأخير لأنه يتبع المصلحة في تقديم وتأخير ثم قالا وقول المخالف باطل لأنه لا يمتنع أن يكون وقت الإبلاغ لا يتعلَّق به المصلحة فلا يحسن الإبلاغ وفي النهاية لنا أن التبليغ تابع للمصلحة وجائز أن يكون في تقديمه مفسدة فيجب تأخيره إلى وقت الحاجة تمّ قال ولأنه في الشاهد قد يصحّ تقديم الأعلام على حضور وقت العمل وقد يصح ترك التقديم وقد يكون يجب الاقتران وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يعلم اللَّه تعالى اختلاف مصلحة المكلَّفين في تقديم الإعلام وفي تركه فلا يكون التقديم واجبا على الإطلاق وفي التهذيب يجوز التّأخير لإمكان اقتضاء المصلحة وفي المختصر وشرحه يجوز التأخير للقطع بأنه لا يلزم منه محال لذاته ولعله فيه مصلحة وزاد الثاني فقال ولذا لو صرّح به لم يمتنع ومنها ما تمسّك به في العدة فقال والَّذي يدلّ على ذلك أنه صلى الله عليه وآله يجب أن يؤدّي بحسب ما يتعبد به من تقديم أو تأخير فإن تعبّد التبليغ عاجلا وجب عليه ذلك وإن تعبّد به أجلا كان مثل ذلك ومنها ما تمسّك به في الذريعة والعدة والغنية من أنه إذا جاز أن يؤخر اللَّه تعالى خطاب المكلف إلى الوقت الذي يعلم مصلحته فيه فكذلك الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ومنها شذوذ المخالف ومصير المعظم إلى خلافه كما أشار إليه في الذريعة والغنية فقالا من قال من الفقهاء أن التبليغ لا يجوز أن يتأخر فإن أراد وقت الحاجة والمصلحة فهو صحيح وإن أراد أنه لا يتأخر عن وقت إمكان الإبلاغ والأداء فذلك باطل انتهى لا يقال غاية ما يستفاد مما ذكر الظن ولا نسلم حجيته هنا لعدم تعلقه بالأحكام الفقهية ورجوعه إليها والظن إنما يكون حجة إذا تعلَّق بها ورجع إليها لأنا نقول ما ذكر باطل بل يرجع الظنّ هنا إليها أيضا وإلا لكان بحث الأصوليّين في هذه المسألة خاليا عن الفائدة وهو باطل فتأمل ومنها أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب فكذلك يجوز تأخير التّبليغ إلى وقت الحاجة وذلك لوجهين أحدهما ظهور عدم القول بالفصل بين الأمرين كما يستفاد من النهاية والإحكام فقالا اختلف المانعون من جواز تأخير بيان المراد من الخطاب فقال أكثرهم بجواز تأخير تبليغ ما يوحى إلى النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله و