السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

233

مفاتيح الأصول

تفسير البيان بهذه المتعلَّقات الَّتي هو التّعريف والدّليل والمطلوب الحاصل منه وقد اختلف النّاس في ذلك فقال أبو بكر الصيرفي وجماعة أن البيان هو التعريف وفسّره بأنّه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيّز الوضوح والتجلَّي وقال أبو عبد اللَّه الحسن بن عليّ البصري إن البيان هو العلم الحاصل من الدليل الَّذي يبيّن به الشيء وقال السيّد المرتضى رحمه الله والشيخان أبو علي وأبو هاشم هو الدّلالة وقال أبو الحسين البصري البيان منه عام وهو الدلالة يقال بين لنا فلان كذا بيانا حسنا فيوصف دلالته وكشفه بأنه بيان ويقال دللت فلانا على الطَّريق وبينته له فلما اطرد منه ذلك حقيقة ومنه خاص وهو المتعارف عند الفقهاء وهو كلام أو فعل دال على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد ويدخل فيه بيان العموم وقال الغزالي وأكثر المعتزلة أن البيان هو الدّليل لأن من ذكر دليلا لغيره وأوضحه غاية الإيضاح يصحّ أن يقال إنه بيان حسن وقد تمّ بيانه ويساويه إلى الدّليل وقيل البيان هو الَّذي دلّ على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدّلالة على المراد وقال الشافعي البيان اسم جامع لمعنى مجتمعة لأصول متشعبة الفروع وأقلّ ما فيه أنه بيان لمن نزل القرآن بلسانه وقال قوم البيان هو الكلام والحظ والإشارة وفي المختصر وشرحه قال القاضي والأكثر البيان الدليل وفي الأحكام ذهب القاضي أبو بكر والغزالي وأكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة كالجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم إلى أن البيان هو الدليل وهو المختار وأشار إليه فيه كما في الذريعة والعدّة والمختصر وشرحه إلى مذهب أبي عبد اللَّه البصري الَّذي أشار إليه في النهاية وكذلك أشار كما في المختصر وشرحه إلى مذهب الصيرفي الَّذي أشار إليه في النهاية الثالث لا إشكال ولا شبهة أنّ لفظ البيان وما يشتق منه إذا ورد في الكتاب والسّنة كان اللازم حمله على المعنى اللَّغوي الأصلي الموافق للعرف العام وعلى هذا لو أمر بالتبين في خبر ونحوه كما في قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ إلى آخره فهل الواجب تحصيل العلم بصدق المخبر وثبوت الشّيء فلا يجوز الاعتماد على الظنّ فيكون البيان مخصوصا بالعلم أو لا بل يكون الواجب تحصيل القدر المشترك بين العلم والظن وهو الرجحان المطلق فيصحّ حينئذ التمسّك بالآية على حجيّة الموثق والحسن والمنجبر بالشهرة ونحوها مما يفيد الظنّ لا باعتبار عدالة الرّاوي لتحقق امتثال الأمر وهو الأمر بالتبيّن فيها على التّقدير المذكور كما لا يخفى وهو يقتضي الإجزاء فيلزم حجيّتها فيكون من الظنون المخصوصة كخبر العدل فيه إشكال ولكن الأقرب عندي هو الاحتمال الأول لوجوه منها أن المتبادر من العبارات المتضمنة لتفسير البيان باعتبار اللَّغة المتقدّم إليها الإشارة هو العلم كما لا يخفى بل هو المتبادر من العبارات المتضمنة لتفسيره باعتبار الاصطلاح كما لا يخفى أيضا ومنها أن المتبادر من لفظ البيان وما يشتق منه في العرف هو العلم فيكون حقيقة فيه لأن الأصل في التّبادر دلالته على الحقيقة فيكون في اللَّغة كذلك لأصالة عدم النّقل وللقطع بعدم النقل في العرف العام ومنها صحّة السّلب عن الظن قطعا وهو دليل المجاز نعم قد يدعى صدقه حقيقة على الظن الَّذي ثبت حجيته ولكن هذا لا يوجب تصحيح التمسّك المزبور كما لا يخفى مفتاح ذكروا أن البيان يقع بأشياء منها القول وقد صرح بوقوع البيان به في الذريعة والعدة والغنية والمعارج والنهاية والتهذيب والمنية والمعالم والزبدة وغاية المأمول والمعراج وفي النهاية والإحكام والزبدة البيان بالقول إجماعي وفي غاية المأمول لا خلاف فيه وفي المعارج والتهذيب والنهاية هو ظاهر وفي العدة قد بيّن النّبي أكثرها بذلك وفي الذريعة بين لنا بالكلام جميع الأحكام انتهى وما ذكروه هو المعتمد الذي لا ريب فيه وذكر له أمثلة أحدها ما أشار إليه في المعالم وغاية المأمول والمعراج فقالوا كقوله تعالى صفراء فاقع لونها الآية فإنه بيان لقوله سبحانه إنّ اللَّه يأمركم أن تذبحوا بقرة وزاد في الثاني فقال وما يقال إنّ في هذه مناقشة إذ هو من تقييد المطلق لا من بيان المجمل لأن الكلام في البيان مطلق أي فيما يعمّ بيان المجمل وغيره فتقييد المطلق أيضا بيان نعم يحتمل كونها من باب النسخ فيكون ابتداء تكليف نظر إلى تفهمهم وسواء لهم وثانيها ما أشار إليه أيضا في الكتب في عهد الصّحابة ومن بعدهم في بيان صفة الحجّ إلى أفعال النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وبيّنوا بذلك قوله أقيموا الصّلاة وللَّه على النّاس حج البيت فلو لا أنّهم علموا أن ذلك يقع به البيان وإلا لم يجز الرجوع إليه انتهى ولا يقال لا نسلم أن البيان حصل بنفس الفعل بل بقوله صلوا كما رأيتموني أصلي لأنا نقول هذا باطل لأن بيان الصّلاة وكيفيتها إنّما حصل بنفس الفعل إذ ليس في الحديث المذكور دلالة على ذلك بوجه وإنما غايته الدّلالة على وقوع الفعل بيانا كما لا يخفى وقد أشار إلى ما ذكرناه من الجواب في الذريعة والنهاية والعدة وغاية المأمول والإحكام وشرح المختصر كما عن أبي الحسين وثالثها ما ذكره في الذريعة والعدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمنية والمعالم والنهاية المحصول والإحكام والمختصر وشرحه والمعراج