السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
222
مفاتيح الأصول
اختلفت عبارات القوم في تعريف المجمل ففي الذّريعة والغنية اعلم أن المجمل هو الخطاب الذي لا يستقل بنفسه في معرفة المراد به وزاد في الأول فقال وأما المجمل في عرف الفقهاء فهو كل خطاب يحتاج إلى بيان لكنهم لا يستعملون هذه اللَّفظة إلا فيما يدل على الأحكام والمتكلمون يستعملون لفظة المجمل في المتشابه وفي العدة أمّا المجمل فيستعمل على ضربين أحدهما ما يتناول جملة من الأشياء وذلك مثل العموم وألفاظ الجموع وما أشبههما ويسمى ذلك مجملا لأنه يتناول جملة من المسمّيات والضرب الآخر هو ما أنبأ عن الشيء على جهة الجملة دون التفصيل ولا يمكن أن يعلم المراد به على التفصيل وفي المعارج المجمل قد يراد به ما أفاد جملة من الأشياء من قولهم أجملت الحساب وفي الاصطلاح هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو معين في نفسه واللَّفظ لا يعنيه ثم قال إن كل ما لا يستقل بنفسه في معرفة المراد به فهو مجمل وفي المبادي وشرحه المجمل ما أفاد شيئا معينا واللفظ لا يغنيه وزاد في الثاني فقال المجمل مأخوذ من الجمع ومنه أجملت الحساب إذا جمعته في العرف ما أفاد إلى آخره وفي المنية الإجمال لغة الجمع يقال أجمل الحساب إذا جمعه ورفع تفاصيله وفي الاصطلاح عبارة عن كون اللفظ بحيث يفهم معنى مع احتمال إرادة غيره به احتمالا متساويا وفي المعالم المجمل هو ما لم يتضح دلالته وفي الزبدة المجمل ما دلالته غير واضحة وفي غاية المراد والمجمل لغة المجموع ومنه أجمل الحساب إذا جمعه واصطلاحا ما دلالته غير واضحة أي ما له دلالة ودلالته على المراد غير واضحة وحاصله أن يتردد بين معنيين فصاعدا من معانيه وهذا أحسن تعاريفه وفي المختصر المجمل المجموع وفي الاصطلاح ما لا يتضح دلالته وفي شرحه للعضدي المجمل لغة هو المجموع وجملة الشيء مجموعه ومنه أجمل الحساب إذا جمعه ومنه المجمل في مقابلة المفصّل وأما في الاصطلاح فهو مما لم يتضح دلالته والمراد ما له دلالة وهي غير واضحة وفي الإحكام الحق في ذلك أن يقال المجمل هو ما له دلالة على أحد الأمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وفي المعراج اعلم أن المجمل يطلق على ما لا يكون ظاهرا في إفادة معناه سواء قولا أو فعلا وفي النهاية والمنية حدّه بعض الأشاعرة بأنه اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق وزاد في الأول فقال قال الغزالي إنه اللفظ الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعين لا بوضع ولا يعرف الاستعمال ثم قال وذكر أبو الحسين له ثلاثة حدود الأول ما أفاد جملة من الأشياء الثاني ما لا يمكن معرفة المراد به الثالث ما أفاد شيئا من جملة أشياء وهو معيّن في نفسه واللفظ لا يعنيه وقيل المجمل ما لم يتضح دلالته وقيل ما له دلالة على أحد الأمرين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه ولا يمكن حمله على المراد منه إلا بدليل من خارج مفتاح اختلفوا في جواز وقوع المجمل من غير بيان في كلام اللَّه تعالى ورسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم على قولين الأوّل أنه يجوز ولا يكون مستحيلا وهو للنّهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية ويمكن استفادته من الذريعة والعدة والغنية والمعارج والزبدة والمعالم والمختصر والإحكام وغيرها وبالجملة عليه المعظم الثاني أنه لا يجوز وهو للمحكي في التهذيب والمنية وشرح المبادي عن بعض بل عن النهاية أنه مذهب جماعة للأوّلين وجوه منها ما أشار إليه في النهاية وشرح المبادي والمنية فقالوا اتفق المحققون على ذلك وزاد في الأخير فقال ومن منعه شاذ انتهى فتأمل ومنها ما تمسّك به في النهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية من أنه واقع فيكون جائزا أما الأول فلما أشار إليه في جملة من الآيات وزاد في النهاية فقال قد وقع في الأحاديث المشهورة وأما الثاني فواضح لا يقال لعلّ ما وقع في الآيات والأخبار من الألفاظ المجملة كان مقرونا وقت الخطاب بالمبيّن فلا يكون من محلّ النزاع لأنا نقول الأصل عدم البيان كما أن الأصل عدم القرينة والنقل والاشتراك على الظاهر من المحكي عن الخصم عدم جواز وقوع اللفظ المجمل مطلقا ولو مع البيان فإذا ثبت جواز وقوعه في الجملة ثبت مطلقا إذ لا قائل بالفصل فتأمل ومنها ما تمسّك به في المنية من أن المصلحة قد تكون متعلقة بالتعبير عن الشّيء إجمالا دون التفصيل فيقع بحسب لا لتلك المصلحة وقد تمسّك بهذه الحجة في التهذيب والمبادي وشرحه أيضا وللآخرين ما أشار إليه في النهاية فقال احتج المانعون بأن الكلام إن لم يقصد به الإفهام كان عبثا وهو غير لا يقال من الحكيم وإن قصد به الإفهام فإن قرن بالمجمل ما يبيّنه كان تطويلا من غير فائدة لأن التنصيص على المعنى أسهل وأدخل في الفصاحة من ذكر المجمل ثم يعقّبه ببيانه ولاشتماله على المفسدة إذ يجوز أن يسمع المجمل ولا يسمع بيانه فيختل المقصود به وإن لم يقترن به ما يدل عليه كان تكليفا بما لا يطاق لأن إرادة الإفهام مع عدم لفظه تدل عليه ولا قرينة تكليف بالمحال وأجاب في المنية فقال الجواب أن مراده بالإفهام المقصود بالكلام إن كان التفصيل لم يلزم العبث على تقدير انتفائه فإنه لا يلزم من انتفاء قصد الإفهام التفصيلي انتفاء قصد الإفهام مطلقا حتى يلزم العبث وإن كان المراد بالإفهام مطلقا أو الإجمالي لم يلزم تكليف ما لا يطاق على تقدير تجريده عن البيان ولا التطويل بغير فائدة على تقدير اقترانه به لاحتمال اشتمال التطويل المذكور على فائدة خفية يعلمها اللَّه ولا يهتدي عقولنا إلى إدراكها أو على فائدة ظاهرة وهو استعداد المكلَّف للأمثال عند المخاطبة بالمجمل واجتهاده في طلب البيان