السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

217

مفاتيح الأصول

هذا إذا كان مراده ممّا ذكر بيان أن عدم التكفير لأجل عدم العلم بإرادة المدلول المقتضية له وأما إذا كان مراده منع الاتفاق على بطلان اللازم فضعفه كالأول ومنها لو كان التعليق دالا على ذلك لما حسن من الإنسان أن يخبر أن زيدا يأكل إلا بعد علمه بأن عمراً لم يأكل وإلا كان مخبرا بما يعلم أنه كاذب فيه أو بما لا أمن فيه من الكذب وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه بذلك دل على عدم دلالته على نفي الأكل عن غير زيد لا يقال هذا مدفوع بما ذكره في الإحكام من أنه إذا أخبر بذلك فلا يخلو إما أن يكون عالما بأن غير زيد يأكل أو غير عالم بذلك وعلى كلا التّقديرين إنما لم يستقبح منه ذلك لظهور القرينة الدالة على أنه لم يرد سوى صريح اللَّفظ دون مفهومه لعدم علمه بذلك في إحدى الحالتين وعلمه بوقوع الأكل من غير زيد في الحالة الأخرى فإن الظاهر من العاقل أنه لا يخبر عن نفي ما لم يعلمه ولا نفى ما علم وقوعه حتى أنه لو ظهر منه ما يدلّ على إرادته لنفي إرادته لنفي ما يدل عليه لفظه عند القائلين به لقد كان مستهجنا لأنا نقول هذا غير وجيه لأنه لا ريب في أن اللفظ إذا كان دالا على شيء لا يجوز الإخبار به إلا بعد تحقق مدلوله فلو أخبر به مجرّدا عن القرينة ثم تبين عدم تحقق مدلول الخبر لكان مستقبحا فيلزم من هذا على تقدير تسليم دلالة التعليق على اللقب على ذلك أن لا يخبر به إلا بعد تحقق مدلوله ومنه نفي الحكم عن غير المذكور ولكن رأينا أن من أخبر أن زيدا قائم ثم تبين أن عمراً أيضا قائم لم يستقبح علمنا أن ليس من مدلوله نفي القيام عن عمرو إذ لو كان من مدلوله لاستقبح لو قال زيد قائم مجرّدا عن القرينة تدلّ على عدم إرادة مفهومه وبالجملة ليس مقصود المستدل تحقق الاستقباح في الإخبار عن أكل زيد مع ثبوته لعمرو مطلقا حتى في صورة علم المخاطب بذلك بل إنما هو في صورة جهل المخاطب وتجرّد الإخبار عن القرينة ومنها أنه لا يفهم من قوله زيد يأكل أن عمراً لم يأكل لا يقال هذا مدفوع بما ذكره في الإحكام من أن دعوى عدم الفهم إن كان بالنّسبة إلى غير القائل بالمفهوم فممنوع ولكنه مصادرة وإن كان بالنسبة إلى القائل بالمفهوم فممنوع لأنا نقول هذا باطل لدعوى عدم الفهم بالنسبة إلى أهل اللسان الَّذين هم المرجع في إثبات اللَّغات ثم إنه لو تم ما ذكره لما جاز التمسّك بالتبادر في مقابلة الخصوم وهو فاسد بديهة وللقول الثّاني أن قول القائل لست زانيا وليست أختي زانية تدلّ عرفا على رمي المخاطب وأخته بالزّنا وفيه نظر للمنع من فهم ذلك سلمنا ولكنّه لأجل القرينة ولذا كان الرامي بالزنا مختصّا بالمخاطب وأخته وأما القول الثالث فلم أعثر على حجته واعلم أن المراد باللقب هنا مطلق الاسم الذي لم يعتبر مدلوله وصفا لا ما اصطلح عليه النحاة وهو ما أشعر بمدح أو ذم فحينئذ يشمل الكنى وقد صرح بهذا السّيد عميد الدّين والشهيد الثاني والعضدي والعبري وغيرهم مفتاح اختلف الأصوليون في أن تعليق الحكم على الصّفة هل يدلّ على انتفائه في غير محلها أو لا على أقوال الأول أنه يدل وهو اختيار الشهيد في الذكرى والسيّد الأستاذ والبيضاوي والعضدي كما عن الشيخ وشيخه والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري وإمام الحرمين وجماعة من الفقهاء والمتكلَّمين وأهل العبرية وفي شرح المختصر أنّه مذهب كثير من العلماء وفي بعض مصنفات السّيّد الأستاذ ذهب إليه كثير من الفقهاء والأصوليين الثاني أنه لا يدلّ وهو اختيار السيّد وابن زهرة والفاضلين وصاحب المعالم والآمدي كما عن الشهيد الثاني وأبي حنيفة والقاضي أبي بكر وابن شريح والقفّال والجويني والغزالي وابن داود والرازي وأبي علي وأبي هاشم وأبي بكر الفارسي وإمام الحرمين وأكثر الإمامية والمتكلمين وعزّاه في العدة إلى جماهير المعتزلة الثالث إنه يدل لكن في مواضع ثلاثة الأول أن يكون الخطاب قد ورد للبيان كما في قوله عليه السلام في الغنم السّائمة زكاة الثاني أن يكون للتّعليم كما في خبر التحالف عند التحالف والسلعة قائمة الثالث أن يكون ما عدا الصّفة داخلا تحتها كالحكم بالشاهدين فإنه يدل على نفيه عن الشاهد الواحد لدخوله في الشاهدين ولا يدل فيما عدا ذلك وقد حكاه في النهاية عن أبي عبد الله البصري وتوقف الحاجبي للقول الأول وجوه منها قول أبي عبيدة في قوله ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه إلى أنه يدل على أن ليّ غير الواجد لا يحل عقوبته وعرضه وفي قوله عليه السلام مطل الغني ظلم إنه يدلّ على أن مطل غير الغني ليس بظلم وقوله حجة لأنه من أهل اللَّغة لا يقال ما ذكره أبو عبيدة من اجتهاده وليس هو نقلا من أهل اللَّغة وليس فيما يقتضيه اجتهاده حجة على غيره لأنا نقول الأصل فيما يقوله الأخبار عن أهل اللَّغة ومجرّد تجويز بنائه على الاجتهاد لا يقدح وإلا لانسد طريق استفادة اللَّغة من أخبار الأئمة وإلى هذا أشار العضدي فقال الجواب أن أكثر اللَّغة إنما يثبت بقول الأئمة معناه كذا وهذا التجويز قائم فيه وأنه لا يقدح في إفادته الظن ولو كان قادحا لما ثبت شيء من اللغات فإن قلت الأصل المذكور ممنوع إذ لا دليل عليه كيف وأهل اللَّغة إنما يثبتون اللَّغة من