السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
175
مفاتيح الأصول
العام كما لا يجوز استثناء المستغرق فلا يجوز أن يقول أكرم علماء بني تميم ثم يقول لا تكرم منهم زيدا ولا عمرا وهكذا إلى أن لا يبقى منهم أحد ويخرج الجميع وكذلك الكلام في سائر المخصصات المتصلة وكذا لا إشكال ولا شبهة في أنّه يجوز تخصيص العام بالمنفصل المخرج لأقلّ أفراد العام كالواحد والاثنين والثلاث ونحو ذلك وبالجملة فما دون النّصف فيجوز أن يقول أكرم العلماء ثم يقول ولا تكرم زيدا العالم وكذلك الكلام في سائر المخصصات المتّصلة وهل يجوز تخصيص العام بالمنفصل المخرج لأكثر أفراده كما يجوز استثناؤها أو لا يجوز ذلك اختلفوا فيه على قولين الأوّل أنّه يجوز وهو للذّريعة والعدّة والغنية والمنية والوافية والمحكي في جملة من الكتب عن القفال وفي غاية البادي عن الجمهور في بعض مصنّفات السّيّد الأستاذ المذهب الصّحيح في تخصيص العام وهو الذي ذهب إليه أكثر أصحابنا ومنهم السّيّد المرتضى والشيخ وأبي المكارم ابن زهرة جواز التخصيص إلى الواحد وعدم اشتراط بقاء الأكثر أو المساوي وبه قال ابن إدريس وحكى الخلاف في ذلك عن ابن الجنيد وهو قول العلامة وظاهره انتفاء الخلاف فيه بين أصحابنا حيث نسب الخلاف فيه إلى العامة وقال الشّيخ البهائي والأكثر على جواز الأكثر من الباقي فضلا من مساويه انتهى الثاني أنّه لا يجوز وهو لجدي رحمه الله للقول الأول وجوه منها ما تمسك في العدة من أن استعمال العام في غير الاستغراق يكون بطريق المجاز وليس بعض الأفراد أولى من البعض فوجب جواز استعمال في جميع الأقسام لا يقال هذا مدفوع بما ذكره في النهاية من المنع من عدم الأولوية فإن الأكثر أقرب إلى الجميع من الأقل لأنا نقول هذا غير وجيه أمّا أولا فلما ذكره في المنية من أن علَّة جواز إطلاق لفظ العام على بعض أفراده كون ذلك البعض جزء من موضوع اللَّفظ وهذا المعنى ثابت في كلّ بعض منها فكان إطلاق لفظ العام عليه جائزا فتأمّل وأما ثانيا فلما ذكره في المنية أيضا من أن الأولوية الثابتة للأكثر باعتبار كونه أقرب إلى موضوع اللَّفظ معارضة بالأولوية الثّابتة للأقلّ باعتبار رجحان إرادته من اللفظ لكونه لازما للموضوع له وللأكثر بخلاف الأكثر فإنه لازم للموضوع له خاصة فتأمل وأما ثالثا فلما ذكره في المنية والمعالم من أن الأولوية إنما تفيد رجحان الأوّل عند التعارض لا المنع مما ليس بأولى عند خلوّه عن المعارض كما أن إطلاق اللَّفظ على حقيقته أولى من إطلاقه على مجازه ولا تقتضي عدم جواز إطلاقه على مجازه ومنها قوله تعالى الذين قال لهم النّاس والمراد نعيم بن مسعود باتفاق المفسّرين ولم يعدّه أهل اللَّسان مستهجنا لوجود القرينة فوجب جواز التخصيص إلى الواحد مهما وجدت القرينة وهو المدعى وأورد عليه صاحب المعالم والعضدي بأنه غير محلّ النّزاع فإن البحث في تخصيص العام والنّاس هاهنا ليس بعام بل للمعهود والمعهود غير عام وزاد الأول فقال وقد يتوقف في هذا لعدم ثبوت صحّة إطلاق الناس على واحد فإن اتفاق المفسّرين على إرادة الواحد من الناس أنما نقل بخبر غير العدل فلا يثبت به حكم ومنها أنّه لو لم يجز ذلك لما ساغ التّمسّك بقوله تعالى أوفوا بالعقود على صحّة كثير من المعاملات ولزومها لأنّ الجزئيات الخارجة من هذا العموم أكثر من الباقي بل الباقي في غاية القلَّة بالنّسبة إلى الخارج والتالي باطل فإن الظاهر اتفاق الأصحاب على الاستدلال به على ذلك وفيه نظر للمنع من الملازمة كما سيأتي إليه الإشارة ومنها ما تمسّك به في العدّة فقال في جملة كلام له على أن استعمال ذلك لأهل اللَّغة ظاهر لأنّهم استعملوا لفظ العموم في الواحد كما استعملوه في الثلاثة وأكثر من ذلك قال اللَّه تعالى إنا نحن نزّلنا الذّكر وإنا له لحافظون فأخبر عن نفسه بنون الجمع وبالواو والنّون وهو واحد وقال الشاعر إنّا وما أعني سواي إليّ فعبّر عن نفسه بلفظ الجمع وقد تجاوزوا ذلك إلى أن عبّروا بلفظ الألف من الواحد كما روي عن عمر أنّه لما كتب إلى سعد بن أبي وقاص وقد أنفذ إليه القعقاع بن شور مع ألف رجل قد أنفذت إليك ألفي رجل فعبّر عن القعقاع وحده بعبارة الألف لما اعتقد أنه يسدّ مسدّ الألف في الحرب وهو واضح انتهى وفيه نظر لخروج الآية الشّريفة والرّواية عن محلّ البحث أمّا أولا فلما أشار إليه جدي الصالح من أن ما في الآية ليس من ألفاظ العموم وكذا ما في الرّواية وأمّا ثانيا فلما ذكره في النهاية والمعالم وشرح المختصر للعضدي فقالوا ما في الآية غير محلّ النزاع لأنه للتعظيم وليس من التعميم والتخصيص في شيء وذلك لما جرت العادة به من أن العظماء يتكلَّمون عنهم وعن أتباعهم فيغلبون المتكلَّم فصار ذلك استعارة عن العظمة ولم يبق معنى العموم ملحوظا فيه أصلا نعم قال السّيد الأستاذ ما يدل على الجواز وقوع التخصيص المذكور في كلام الفصحاء والبلغاء في الأخبار وكلام الأصحاب كما يظهر بالتتبع انتهى فتأمل ومنها أنّه علم بالضّرورة من اللَّغة صحّة قولنا أكلت الخبز وشربت الماء ويراد به أقلّ القليل مما يتناوله الخبز والماء وفيه نظر لما ذكره في المعالم من أنّه خارج عن محلّ النزاع فإن كلّ واحد من الخبز والماء في المثالين ليس بعام بل هو للبعض الخارجي المطابق