السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
169
مفاتيح الأصول
إثبات رجحانه أو جزئيّته في الجملة هو الإيجاب الجزئي وأما أن مدلول الخبر الثاني السّلب الكلَّي فلأن النّفي إذا تعلَّق بالنكرات أفاد العموم فهل الواجب حينئذ الجمع بتخصيص السّلب بما يجامع إيجاب الجزئي فيقال المراد من نفي الرّجحان ونفي الكون منه نفيها على جهة الوجوب والجزئية للواجب أو لا بدّ من التوقف بعد العجز عن المرجّحات إشكال من أنّ في التخصيص الجمع بين الدليلين وذلك لأنه إن خصّ السّلب الكلَّي لزم العمل بالخبرين وذلك واضح بخلاف ما لو أخذ بالسّلب الكلي لأنه يلغو الإيجاب الجزئي بالمرة وقد اشتهر بين الأصوليّين أنّ الجمع أولى من الطرح ومن أن ما اشتهر بينهم لا دليل عليه على الإطلاق وإنما يسلم حيث يكون له شاهد من عرف كالجمع بين نحو قوله أكرم العلماء ولا تكرم زيدا العالم بالتخصيص أو من غيره وكلاهما مفقودان في المقام أما الأول فلعدم حكم العرف بالتخصيص هنا بل يحكمون بالتناقض بين الكلامين ويقبّحون من يصدر منه هذان الكلامان حيث ينتفي احتمال البداء والنسخ كما يقبّحون يجب إكرام زيد ولا يجب إكرام زيد ولعلّ السّر في حكمهم بالتناقض أن النفي والإثبات في الحقيقة مرجعهما إلى شيء واحد بدلالة واحدة وفي الدّلالة المطابقية وذلك لأنّ المقصود الأصلي في قوله أكل التفاح راجح ثبوت وصف الرّجحان من حيث هو أكل التّفاح من غير نظر إلى كونه في ضمن الوجوب أو الندب والمقصود الأصلي من قوله أكل التفاح ليس براجح نفي اتصاف أكل التفاح بماهيّة الرّجحان من غير نظر إلى الأفراد نعم نفي الماهيّة يلزمه نفي الأفراد فتعلق النفي بالأفراد تبعي لا أصلي فقد تحقق أن الإثبات والنّفي قد تعلَّقا بنفس الطبيعة بالدّلالة المطابقية وهو التّناقض ولا كذلك التّعارض بين قوله إكرام العلماء واجب وإكرام زيد العالم غير واجب لأن المقصود الأصلي في الأول إثبات وجوب الإكرام لأفراد المسمّى بالعالم من غير التفات إلى خصوصيات الأفراد بالأصالة ولذا كان الدّلالة على الأفراد بغير المطابقة والمقصود الأصلي في الثاني نفي وجوب إكرام زيد العالم من حيث إنّه زيد ولذا كانت الدّلالة على نفيه بالمطابقة فكان الأول ظاهرا والثّاني نصّا لأن الدّلالة المطابقية أقوى من غيرها فلا بد من الجمع بينهما لشهادة العرف ومجمل الكلام أن التعارض في محلّ الفرض من قبيل تعارض النّصين ومعلوم أنّ الجمع بينهما باعتبار الأصل غير ممكن وأمّا الثاني فواضح ثم إن قطعنا النظر عن العرف فنقول تخصيص السّلب الكلَّي بفرد دون آخر ترجيح بلا مرجح لأنه لا دليل على تعيين متعلَّق النّفي بالخصوص وإنما يعلم إجمالا بعد ملاحظة الموجبة الجزئية تعلَّقه بفرد ما وهذا القدر لا يجدي لأن المقصود تخصيص السّلب على وجه يصح الاستدلال به وبالموجبة الجزئية وهو لا يحصل بالعلم الإجمالي بالتخصيص بل يجب معه التوقف فإن قلت يحمل الموجبة الجزئية على أقل الأفراد فنقول المراد من قوله هذا راجح أنّه مندوب لأنه أقلّ مراتب الرجحان ويدفع احتمال الوجوب بالأصل فيلزم حينئذ حمل السّلب على نفي الوجوب جمعا قلنا هذا المقدار لا يصلح للتخصيص بل لا بد من دلالة الموجبة على الاستحباب فتعين حمل السّلب على نفي الإيجاب فتأمل مفتاح إذا أورد من الشّارع خطابان متعارضان وكان التعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه نحو اقتل الأسود ولا تقتل الإنسان فاللازم الرّجوع إلى المرجّحات الخارجية ولا يجوز الحكم بتعيين المخصص منهما من غير دليل نعم قد يجمع بينهما ويخصّص عام كلّ منهما بخاص الآخر في بعض الصّور وذلك كما إذا قال الشارع مثلا أكرم بني تميم إن كانوا علماء وأكرمهم إن كانوا طوالا فإن هذين الخطابين متعارضان لأن مقتضى عموم مفهوم الخطاب الأوّل عدم وجوب إكرام الطَّوال من بني تميم إذا لم يكونوا علماء ومقتضى عموم مفهوم الخطاب الثاني عدم وجوب إكرام علمائهم إذا لم يكونوا طوالا فالخطابان متعارضان وهو من قبيل تعارض العمومين من وجه لأن الأول خاص من جهة الدلالة على وجوب إكرام علماء بني تميم وعام من جهة الدلالة على عدم وجوب إكرام طوالهم وغيرهم إذا لم يكونوا علماء والثاني خاص من جهة الدّلالة على وجوب إكرام طوالهم وعام من جهة الدّلالة على عدم وجوب إكرام علمائهم وجهالهم إذا لم يكونوا طوالا فكلّ منهما خاصّ من جهة وعام من جهة أخرى واللازم في المقام تقييد عام كل منهما بخاص الآخر لأن العام من كلّ منهما المقابل بخاص الآخر ظاهر قد قابل النّص ومعلوم أن الظاهر لا يقاوم النّص فيجب رفع اليد عنه ولكن لا يخفى أن محلّ البحث ليس من قبيل تعارض العمومين من وجه المعروف الَّذي أوجب فيه جماعة من الأصوليين الرجوع إلى المرجّحات الخارجيّة فتأمل مفتاح لا إشكال ولا شبهة في أنّ الاستثناء من جملة المخصّصات المتّصلة وقد اختلفوا فيما يصحّ استثناؤه وتحقيق الكلام هنا يقع في مقامات الأوّل لا يصحّ الاستثناء المستوعب وقد صرّح بذلك العلامة في التحرير والقواعد والإرشاد والنهاية والتهذيب والمبادي والشهيد في القواعد والدروس واللمعة والمحقق الثّاني في جامع المقاصد والسّيد عميد الدّين في منية اللَّبيب وصاحب غاية