السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
166
مفاتيح الأصول
وأحاديثنا فإن أشبههما فهو حق وإن لم يشبههما فهو باطل ومنها مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول من خالف كتاب اللَّه وسنته محمد صلى الله عليه وآله فقد كفر ومنها خبر ابن أبي يعفور قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من يثق به ومن لا يثق به قال إذا أورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللَّه أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وإلَّا فالَّذي جاءكم به أولى ومنها مرسلة عبد الله بن بكير عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام قال إذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب اللَّه فخذوا به وإلَّا فقفوا عنده ثم ردّوه إلينا حتى يستبين لكم وقد احتجّ بهذه الحجة في العدّة قائلا قد ورد عنهم عليهم السلام ما لا خلاف فيه من قولهم إذا جاءكم عنا حديث فأعرضوه على كتاب اللَّه فإن وافق كتاب اللَّه فخذوه وإن خالفه فردّوه أو فاضربوه على الحائط على حسب اختلاف الألفاظ فيه وذلك صريح بالمنع من العمل بما يخالف القرآن انتهى وفي هذه الحجة نظر لأن الصّغرى وهي أن خبر الواحد الذي يعارض عام الكتاب يصدق عليه أنّه مخالف للكتاب وغير موافق له ممنوعة لأن معنى كون الشيء مخالف للكتاب وغير موافق له والمتبادر منه دلالة على ما علم خلافه من الكتاب فإذا علم أن المراد من الكتاب حرمة فعل مثلا ودلّ غيره على وجه القطع على أنّه واجب كان مخالفا للكتاب قطعا ولا يصدق المخالفة حقيقة بمجرّد كون دلالة ذلك الشّيء مخالفة لدلالة الكتاب النّاشئة من جهة الوضع وإلَّا لصدق على قول النّبي صلى الله عليه وآله المسموع منه الدال على تخصيص عام الكتاب أنّه مخالف له والتالي باطل جدّا ومن المعلوم أن خبر الواحد المعارض لعام الكتاب لم يتحقق فيه معنى المخالفة الَّذي أشرنا إليه فلا يشمله الأخبار المذكورة ويؤيّده تصريح جملة منها بأن الحديث المخالف للكتاب زخرف إذ هذا لا يتم قطعا إلا بعد أن يكون المراد من المخالفة ما ذكرناه وهو واضح وبالجملة المستفاد من أكثر الأخبار المذكورة أن المراد من المخالفة وعدم الموافقة ما ذكرناه ومع هذا فقد أشار إليه في النهاية والإحكام والمحصول قالوا قوله صلى الله عليه وآله وما خالفه فردّوه نمنع دلالته على صورة النزاع فإن المخصّص للعام مبيّن له لا مخالف لأنه دال على أن المراد من العموم ما عدا صورة التخصيص فلا يكون مخالفا وزاد في المحصول فقال ما ذكرتموه يقتضي أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالنّسبة المتواترة انتهى وإليه أشار في الإحكام وللقول الثالث والرابع ما أشار إليه في المعالم فقال حجة المفصّلين أن الخاص ظني والعام قطعي فلا تعارض إلَّا أن يضعف العام وذلك عند الفرقة الأولى بأن يدلّ دليل قطعي على تخصيصه فيصير مجازا وعند الفرقة الثانية أن يخصّ بمنفصل لأن المخصص بالمنفصل مجاز عندنا والقطعي يترك بالظَّني إذا ضعّف بالتجوّز إذ لا يبقى قطعيّا لأن نسبته إلى جميع مراتب التجوز بالجواز سواء وإن كان ظاهرا في الباقي فارتفع مانع القطعي انتهى وقد يحتج للمفصّل بأنّ الأصل عدم جواز تخصيص العام بخبر الواحد خرج منه صورة تخصيصه بالقطع أو المنفصل بالإجماع وهو مفقود في غيرها فيندرج تحت الأصل وفي كلتا الحجتين نظر واضح أمّا الأولى فللمنع من ضعف العام بطريق التخصيص عليه بل التحقيق أن دلالة العام قبل التخصيص أضعف من دلالته بعد التخصيص لأنه قبل التخصيص يترقب للتجوز والتخصيص بناء على كثرة طريق التخصيص على العمومات حتى صار مثلا ما من عام إلَّا وقد خصّ ولا كذلك بعد التخصيص ولو قلنا بأن التخصيص صار من المجازات الراجحة فيلزم القول بإجمال العام قبل التخصيص بناء على المختار من لزوم التوقف حتى يقع التعارض بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الرّاجح ولا كذلك الأمر بعد التخصيص فعلى هذا يلزم التفصيل بالحكم بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد قبل صيرورته مخصّصا لا بعدها سلمنا أن العام يضعّف بعد التخصيص ولكن نقول إن أريد أنّه يصير بعد التخصيص أضعف دلالة من الخبر المعارض له فهو كان ثابتا قبل التخصيص إذ لا شك أن كلّ عام أضعف دلالة من الخاص فلا حاجة إلى طرق التخصيص عليه وإن أريد أنّه بعد التخصيص خرج عن كونه قطعي السّند فبطلانه أوضح وبالجملة لا إشكال ولا شبهة في فساد هذه الحجّة وأمّا الثانية فلما قدّمناه من الأدلة على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد للقول الخامس ما أشار إليه في المعالم فقال احتج المتوقّف بأنّ كلَّا منهما قطعي من وجه وظني من آخر فوقع التعارض فوجب التوقف وضعف هذه الحجة في غاية الظَّهور بعد ما بيّناه سابقا والمسألة لا يخلو عن إشكال ولكن الأقرب هو القول الأوّل وينبغي التنبيه على أمور الأوّل يجوز تخصيص الكتاب بكل دليل ظني يكون أخصّ منه ويكون حجة كالإجماع المنقول والشهرة وغيرهما إذا قلنا بحجيتهما ولم أجد أحدا جعل هذا محل النزاع ولكن يتفرع على محلّ النزاع هنا ويلزم القائلين بعدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد عدم تخصيصه بما ذكر كما لا يخفى وقد صرّح بالمختار السّيد الأستاذ رحمه الله فقال الحق جواز تخصيص الكتاب بالأدلة الظنيّة المعتبرة شرعا لرجوعها إلى القطع بل انتهائها إلى الكتاب الثاني لا فرق في الخبر الَّذي يجوز تخصيص الكتاب به بين أن يكون صحيحا أو حسنا أو موثقا أو ضعيفا منجبرا