السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

152

مفاتيح الأصول

صرح الشيخ في العدّة والمحقق في المعارج والعلامة في النهاية والتهذيب والشهيد الثاني والفاضل البهائي في الزبدة وصاحب المعالم ونجم الأئمة وجمال الدين الخونساري والفاضل التوني والتّفتازاني والرّازي والحاجبي والعضدي بأن النكرة في سياق النّفي تفيد العموم وموضوعة له وعزاه المحقق في المعارج إلى المحققين ولهم وجوه منها ما تمسّك به المحقق من أن السّيد إذا قال لعبده لا تضرب فهم منه العموم حتى لو ضرب واحدا عد مخالفا والتبادر دليل الحقيقة ومنها ما تمسّك به نجم الأئمة من أن قولك أكلت شيئا يناقضه قولك ما أكلت شيئا فلو لم تكن الثانية عامة لم يحصل المناقضة ومنها ما تمسّك به نجم الأئمة أيضا من أن ذلك لو لم تكن للعموم لما كان قولنا لا إله إلَّا اللَّه توحيدا ومنها أنّه لو لم يكن للعموم لما صح الاستثناء في قوله ما رأيت أحدا والتالي باطل فالمقدم مثله وأما الملازمة فظاهرة ومنها ظهور الاتفاق عليه وقد يناقش في جميع الوجوه المذكورة أما في الأوّل فبما ذكره بعض من المنع من كون التبادر من نفس اللَّفظ حتى يكون اللَّفظ موضوعا له بل إن النكرة في سياق النفي أنّما تدلّ على نفي الفرد المنتشر أو نفي الطبيعة من حيث هي ويلزم منه نفي جميع الأفراد الَّذي هو العموم وقد حكي عن السّبكي والحنفية القول بأن دلالة النكرة المنفية عليه التزاميّة فعدّها من صيغ العموم بمعنى كونها حقيقة فيه مطلقا لا يخلو عن تمحّل وقد يجاب عما ذكر بأن الأصل في التبادر أن يكون من جهة اللَّفظ وهو علامة الحقيقة ويؤيد ما ذكر أمران أحدهما أنّه لو كانت بالالتزام لكان هناك انتقالان والمتحقق انتقال واحد وثانيهما ما ذكره بعض من أن العموم لو كان مستفادا من نفس الطبيعة لما صحّ الاستثناء إلَّا على تقدير كونه منقطعا وذلك واضح والأصل فيه الاتصال وأما في الثاني فبأنّ غاية ما ذكر الدلالة على العموم وهي أعم من الالتزام فلا يكون هنا دليل على الوضع إلَّا أن يقال الأصل أن تكون من جهة الوضع وأما في الثالث فلما تقدم إليه الإشارة قال الآمدي إن لم تكن حقيقة في العموم فلا يمتنع إرادة العموم منها وعلى هذا فمهما لم يرد المتكلم منها العموم فلا تكون قوله توحيدا وإن أراد ذلك كان توحيدا لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللَّفظ بل من قرينة حال المتكلم الدّالة على إرادة التوحيد وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا قال ما في الدّار رجل قال وقول أهل الأدب إنّها للعموم أمكن حمله على عموم الصّلاحية دون الوجوب انتهى وفيه نظر وأما في الرابع فبأنّ صحة الاستثناء لا تدلّ على كون اللفظ موضوعا للعموم لأن الاستثناء إخراج ما لولاه لصحّ دخوله لا وجب قال في الغنية يبيّن ذلك أن قول القائل لغيره الق جماعة من العلماء واضرب فرقة من السّفهاء بحسن أن يستثني كلّ واحد من العلماء والسّفهاء فلو كان الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه لوجب أن يكون قوله فرقة وجماعة مستغرقا لجميع العلماء والسّفهاء وليس هذا قول أحد فإن قيل يجب على ما قلتموه في الاستثناء صحّة دخوله في النكرات قلنا يحسن بغير بخلاف استثناء المعرفة من النكرات كقوله الق جماعة إلَّا زيدا واضرب رجالا إلَّا عمرا ويجوز استثناء النّكرة من النّكرات إذا خصّصتها أو وصفتها كقولك جاءني قوم إلَّا رجلا ظريفا أو من بني هاشم ولا يجوز بغير وصف ولا تخصيص لعدم الفائدة وهذا ذكره ابن البراج في كتابه الأصول انتهى ولا يقال لو كان ذلك كافيا لجاز الاستثناء من المفرد المنكر فيقال جاءني رجل إلَّا زيدا لصلاحية دخوله فيه لأنا نقول بالمنع منها لأن المفرد المنكر لا يكون إلَّا معينا في الواقع ضرورة كونه جائيا وإن لم يكن معينا عند المخاطب والمعيّن لا يصحّ الاستثناء منه إجماعا ويدلّ على ذلك أيضا جواز الاستثناء من الأعداد مع أنها ليست للعموم وقد يقال إن الظاهر أن الاستثناء يشترط فيه وجوب دخول المستثنى في المستثنى منه لولاه وقد حكي عن أهل اللغة أنّهم قالوا إنه إخراج جزء من الكل والاستثناء من الأعداد ممنوع منه عند البصريين كما حكاه عنهم ابن عصفور في شرح المغرب وغيره على ما حكي قال إلَّا أن يكون العدد فيما يستعمل في المبالغة كالألف والسّبعين فيجوز وكذا نمنع من جواز الاستثناء على طريق الاتصال من جموع القلَّة قال الرازي لا نسلَّم أنّه يجوز الاستثناء من أيّ عدد شاء من جموع القلَّة مثلا لا يجوز أكلت أرغفة إلَّا ألف رغيف ويجوز الاستثناء من العموم أي عدد شاء وعلى تقدير الجواز في المقامين لا يقدح لوجود الشرط المزبور وقولنا إن الاستثناء من دلائل الحقيقة فيما إذا لم يكن هناك عدد أو جمع قلة ولتفصيل الكلام هنا محلّ آخر وأمّا في الخامس فبالمنع منه لوجود المخالف قد تقدم إليه الإشارة نعم قد يدعى شذوذه فلا بأس حينئذ بالمصير إلى ما ذكروه من إفادة المفروض العموم وضعا للشهرة العظيمة المعتضدة بأن الأصل في التبادر أن يكون باعتبار الوضع وبغيره ممّا تقدّم إليه الإشارة وبما سيأتي إليه الإشارة وأما إفادتها العموم في الجملة فممّا لا ريب فيه ولا شبهة يعتريه والنزاع في أنها بالالتزام أو غيره فقليل الفائدة وينبغي التنبيه على أمور الأوّل قال في التّمهيد