السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
147
مفاتيح الأصول
بل هو أعمّ من الصّحيح والفاسد كما بيناه وأمّا ثالثا فللمنع من وجوب الحمل على اللغوي عند تعذر الشّرعي فيما إذا كان هناك عرف عام وللقول الثالث وجهان أحدهما أن الحمل على الشرعي أنما يتعيّن لو علم أن الشارع تكلم على عرفه ولكنه ممنوع لجواز تكلَّمه على عرف الغير فإنه يجوز له ذلك أحيانا كالعربي إذا تكلَّم مع الفارسي بالفارسية فإذا دار الأمر بين الاحتمالين جاء الإجمال وأجاب عنه الباغنوي في حاشية شرح المختصر فقال الظاهر أن المتنازع فيه هو اللفظ الوارد في الشرع في بيان الأحكام الشرعية ولهذا ورد حديث دعي الصلاة أيام أقرائك هاهنا ومعلوم أنّه حينئذ كان التكلم بعرف الشّرع دون اللَّغة ولو كان المتنازع فيه هو المطلق فلا يتم دليل المطلوب ولا نسلَّم أن ذلك عرف الشارع حتى يلزم استعماله فيه بل يقول الخصم لعل ذلك من عرف اللغة وكان الشّارع يتكلم به من حيث إنه من أهل اللَّغة إلَّا أن يتمسّك بأن الظاهر من حال الشارع أن يتكلم بعرفه لا بعرف اللَّغة وأنت تعلم أن ذلك إنما يسلم إذا كان في بيان الأحكام الشّرعية لا مطلقا وحينئذ لا مجال للإجمال فيه فتأمل انتهى وقد يقال إن دعوى ظهور إرادة المعنى الشرعي فيما إذا كان في بيان الأحكام الشرعية مطلقا حتى فيما لو كان المخاطب غير عالم بالاصطلاح ممنوعة فيجيء الإجمال حينئذ أيضا وقد يجاب بأن الغالب محاورته مع العالمين بالاصطلاح فيلحق محلّ الشكّ بالغالب نعم إذا علم بأنّ المخاطب لم يعلم بالاصطلاح أمكن دعوى الإجمال ولكن هذا لا يستلزم اختيار القول بالإجمال مطلقا على أنا نمنع عن الإجمال في هذه الصّورة بل اللازم حينئذ الحمل على المعنى اللَّغوي قطعا ويمكن أن يدعى هذا فيما إذا شك في حال المخاطب في معرفة الاصطلاح ويمنع من غلبة محاورته للعالمين بالاصطلاح وترجيحها لأصالة عدم معرفته بالاصطلاح السّليمة عن المعارض فلا يجوز دعوى الإجمال أصلا إلَّا أن يدعى أصالة عدم معرفته بالاصطلاح معارضة بأصالة عدم معرفته باصطلاح آخر أو نسلَّم الغلبة ونمنع من ترجيحها على الأصل فيلزم الإجمال حينئذ وكيف كان فدعوى الإجمال مطلقا غير وجيهة وثانيهما أن الحمل عليه مشروط بثبوت النقل قبل صدور الخطاب إذ لو كان بعده لما جاز حمله عليه قطعا لأنه حينئذ معنى مجازي يحتاج في إرادته إلى قرينة وهذا الشرط غير معلوم التحقق إذ لم يجر عادة المفسّرين والرّواة بنقل تاريخ نزول الآيات وصدور الروايات ولو اتفق منهم نقل التاريخ على سبيل النّدرة فلا يحصل العلم بموافقة زمان النقل والاشتهار إلَّا بعد العلم بتاريخ حصولها في كل لفظ ودون العلم بذلك كلَّه خرط القتاد فيلزم منه الشّك في تحقق مشروطه فإن الشّك في الشّرط يستلزم الشّك في المشروط وهو الإجمال وفيه نظر من وجوه منها أن الألفاظ المجهولة التّاريخ محكوم عليها بالتّأخر عن زمان الوضع لأنها حادثة والأصل في الحادث التأخر لا يقال كما أنّ اللَّفظ حادث فكذلك الوضع فأصل تأخر صدور اللفظ عن الوضع معارض بأصل تأخر الوضع عن صدور اللَّفظ ولا ترجيح فيجب التوقف لأنا نقول أصالة تأخر الحادث أنما تجري في الحادث المجهول التّاريخ وزمان الوضع وإن كان مشتبها من حيث المبدإ لكن ثبوت الوضع في أواخر زمن الشارع بحيث يتّسع لصدور كثير من الرّوايات الواردة عنه مقطوع به على القول بثبوت الحقيقة الشّرعية فيمكن القول بأن الأصل تأخر الصّدور إلى ذلك الزّمان بخلاف العكس وقد نبه عليه بعض المحققين ومنها ما ذكره بعض المحققين فقال أجمع العلماء على أن هذه الألفاظ مع تجردّها عن القرائن إما محمولة بأسرها على المعاني الشرعية أو اللَّغوية فإن القائلين بثبوت الحقيقة الشّرعية اتفقوا على الأول والنافين لها اتفقوا على الثاني فالقول بأن بعضها محمول على الشرعي وبعضها على اللَّغوي كما يقتضيه توسط الوضع خلاف الإجماع لا يقال الواجب مع الجهل بتاريخ الصّدور والوضع كما هو المفروض هو الحمل على المعنى اللَّغوي لكونه الأصل فلا يلزم التّفصيل المخالف للإجماع لأن الإجماع منعقد على أن الواجب حملها على أحد المعنيين لأجل الوضع له والحمل بمقتضى الأصل يغايره قطعا وإن لم يكن منافيا للإجماع على أصل الحمل ويمكن تقرير الإجماع بوجه آخر وهو أن العلماء اتفقوا على أن المراد من هذه الألفاظ بأسرها في نفس الأمر إما المعاني الشرعية أو اللَّغوية والقول بتوسّط الوضع بين الاستعمالات يقتضي التّفصيل فيها بحسب نفس الأمر فيكون مخالفا للإجماع وبوجه آخر وهو أن القائلين بثبوت الحقيقة الشرعية اتفقوا على حمل الألفاظ بأسرها على المعاني الشرعية والنافين لها اتفقوا على حملها بأسرها على المعاني اللغوية فالقول بالحقيقة الشرعيّة مع الحمل على اللَّغوي في الجميع أو البعض خلاف الإجماع فإن قيل إن أردتم أن مثبتي الحقيقة يحملون الألفاظ بأسرها على المعاني الحادثة وإن كان صدور بعضها من الشارع سابقا على الوضع فذلك باطل إذا المفروض أن لا سبب للحمل عليها سوى الوضع وهو منتف على هذا التقدير فكيف يستدل عليه بالإجماع وإن أردتم أنهم يحملونها عليها لسبق الوضع بجميع الاستعمالات ففيه أن ذلك لو نسلَّم فهو الحجة فأي فائدة في الإجماع قلنا نختار الثّاني و