السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

144

مفاتيح الأصول

القول بكون النهي للتكرار الحكم بإفادته الفور وقد أشار إلى هذا في المعالم أيضا فقال لما أثبتنا كون النّهي للدّوام والتكرار وجب القول بأنه للفور لأن الدّوام يستلزمه ومن نفي كونه للتكرار نفي الفور أيضا والوجه في ذلك واضح انتهى وفي حاشية الفاضل الشيرواني لا يخفى أن ترتب الفور على الأوّل بطريق اللَّزوم ونفيه على الثاني بطريق الإمكان وهو طور شائع في ترتب الخلاف على مبناه لكن الدّعوى الثّانية على كلَّيتها ممنوعة لأن الشيخ في العدّة مع نفيه التكرار أثبت الفور انتهى وهل يختص ذلك القول بكون النّهي دالا على التكرار بالتضمن أو لا بل يلزم ذلك وإن قلنا بدلالته على التّكرار بالالتزام الأقرب الثاني فعلى المختار يلزم الحكم بكون النّهي مفيدا للفور أيضا وممّن صرح بأنه يفيد الفور العضدي في شرح المختصر قال فيجب الانتفاء في الحال وثانيهما أنه لا يلزم على القول بعدم إفادة النهي التكرار عدم إفادته الفور ولعله لذا قال في التهذيب ولا يدل على الفور ولكن صرح في العدة بإفادته الفور مع ذهابه إلى أنه لا يفيد التكرار فإنّه قال إنما قلنا أنه يقتضي الفور دون التراخي لمثل ما دللنا عليه من أن الأمر يقتضي الفور والأدلَّة فيهما سواء وأيضا فلو لم يقتض ذلك في الثاني لوجب أن يقترن به البيان فمتى لم يقترن به البيان دل على أنه قبيح في الثاني وفي الذريعة القول بالفور ممكن فيه كما بيّناه في الأمر غير أن التخيير في الأوقات المستقبلة غير ممكن فيه كما أمكن في الأمر لأن الأمر إنما يتناول على سبيل التخيير في كل فعل مستقبل على البدل للتساوي في الصّفة الزّائدة على الحسن والنّهي يقتضي القبح فلو تساوت الأفعال كلَّها في القبح لوجب العدول عن الجميع لا على جهة التخيير ويتحقق دخول التخيير في النّهي مفتاح اختلفوا في أن المطلوب بالنّهي ما هو على قولين الأول أن المطلوب به هو التّرك ونفس أن لا يفعل وهو للمنية والنهاية والمعالم والزبدة وشرحها للفاضل الجواد والمحكي في النهاية عن أبي هاشم وجماعة كثيرة الثاني أن المطلوب به هو الكف عن الفعل المنهي عنه وهو للمختصر وشرحه للعضدي والمحكي في المعالم وشرح الزبدة للفاضل الجواد عن التهذيب والأكثر وفي النهاية قالت الأشاعرة المطلوب فعل ضدّ المنهي عنه للأولين ما تمسّك به في النهاية والمعالم والزبدة وشرحها للفاضل الجواد والمحكي في المعراج عن أبي هاشم من أن تارك المنهي عنه كالزنا مثلا يعدّ في العرف ممتثلا ويمدحه العقلاء على أنه لم يفعل من دون نظر إلى تحقق الكف عنه بل لا يكاد يخطر الكف ببال أكثرهم وذلك دليل على أن متعلَّق التكليف ليس هو الكف وإلا لم يصدق الامتثال ولا حسن المدح على مجرّد الترك قال الفاضل الشّيرواني بعد الإشارة إلى ما ذكروه لا يخفى أن المدح والثواب أنّما يتصوران لو حصل التّرك حالة التّكليف بقصد الامتثال بمعنى أن النهي يصير باعثا على التّرك كما يفهم من الذريعة لكن لا يستلزم ذلك أن يكون المطلوب هو الكف لأن معناه أن يتحقق في النفس ميل وشوق ونحوه ينجذب النفس ويشتهي إلى المنهي عنه ويدافعه الإنسان بأسبابها ويتوسّل بها إلى دفعها والحاصل أن المفهوم منه فعل وجودي يضادّ الميل والشوق ويقاومه وليس ذلك لازما لعدم الميل إلى الفعل وقصده بسبب نهي الشارع عنه لجواز أن لا يحدث في النفس إرادة الفعل المنهي عنه بسبب المنهي فلا يحتاج إلى دفعه بما يصلح له وأمّا في صورة عدم تصور الفعل أو عدم خطور المنهي عنه بالبال لا لتقصير وتفريط فلا مدح على الترك ولا عقاب على الفعل نعم لو كان عدم الخطور بسبب من المكلَّف مبالغة في التنزه عن المنهي عنه كما يحكى عن كثير من المعصومين والصّالحين فهو من أعلى مراتب الامتثال وللآخرين وجهان أحدهما ما أشار إليه في المعالم فقال احتجوا بأن النّهي تكليف ولا تكليف إلا بمقدور ونفي الفعل يمتنع أن يكون مقدورا له لكونه عدما أصليا والعدم الأصلي سابق على القدرة وحاصل قبلها وتحصيل الحاصل محال ثم أجاب عن هذه الحجة فقال والجواب المنع من أنه غير مقدور لأن نسبة القدرة إلى طرفي الوجود والعدم متساوية فلو لم يكن نفي الفعل مقدورا لم يكن إيجاده مقدورا إذ تأثير صفة القدرة في الوجود فقط وجوب لا قدرة فإن قيل لا بد للقدرة من أثر عقلا والعدم لا يصلح أثرا لأنّه نفي محض وأيضا فالأثر لا بد أن يستند إلى المؤثر ويتجدد به والعدم سابق مستمر فلا يصلح أثرا للقدرة المتأخرة قلنا العدم أنما يجعل أثرا للقدرة باعتبار استمراره وعدم الصّلاحية بهذا الاعتبار في حيّز المنع وذلك لأن القادر يمكنه أن لا يفعل فيستمر وأن يفعل فلا يستمر فأثر القدرة أنما هو الاستمرار المقارن لها وهو مستند إليها ومتجدّد بها انتهى وصرّح بما ذكر من الجوابين في النهاية أيضا وفي شرح الزبدة للفاضل الجواد التصريح بالجواب الأخير وأشار إليه أيضا في الزبدة وفي المعراج أن العدم المضاف مقدور وثانيهما ما أشار إليه الفاضل الجواد في شرح الزبدة فقال وربما استدلَّوا على ذلك بأن الامتثال بالنّهي والثواب عليه لا يترتب على عدم الفعل من دون ملاحظة كف النّفس عنه فإنا نعلم أن من لم يزن ولم يسرق ولم يشرب الخمر في