السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

136

مفاتيح الأصول

العبادات فإنها لا تصح إلَّا به وكالغسل عند القائلين بكونه واجبا لنفسه لاتفاقهم على توقف بعض العبادات عليه فإذا تمهد هذا فنقول إذا ورد من الشريعة أمر بشيء واختلفوا في كونه واجبا لنفسه أو لغيره ولم يكن هناك دلالة على أحد الأمرين غير الأمر فهل الأصل فيه أن يكون واجبا لنفسه فلا يتوقف وجوبه على شيء آخر بل يجب مطلقا أو يكون واجبا لغيره فيتوقف وجوبه على وجوب الغير وينتفي بانتفاء وجوبه ويتضيق بتضيقه ويتوسع بتوسّعه الذي يقتضيه التحقيق هو الأول لنا أن المفهوم من نحو افعل وجوب الفعل مطلقا من غير تعلَّق على أمر آخر وكونه مصلحة لذاته فمن يدعي التقييد والتعليق على شيء آخر وأن مطلوبيته لأمر آخر يحتاج إلى دلالة وحيث لم توجد ندفع بالأصل احتمال وجودها وعلى هذا استمر طريقة الأصحاب في هذا الباب وممن صرّح بهذا الأصل بالخصوص والدي دام ظلَّه العالي والسيد الأستاذ رحمه الله فعلى هذا الأصل في الغسل من الجنابة كونه واجبا لنفسه كما ادعاه جماعة من الأصحاب لتعلق الأمر به في الأخبار الكثيرة من غير تعليق على أمر آخر لكن الشهيد أجاب عنه بأنه لما كثر علم الاشتراط أطلق الوجوب وغلب في الاستعمال حتى صار حقيقة عرفية وربّما يظهر من المحقق الثاني في جامع المقاصد والشّهيد الثاني في روض الجنان وغيرهما المصير إلى ما ذكره فعلى هذا قد يناقش فيما أصّلناه فيقال إن ظاهر الأمر وإن كان كما ذكرتم إلَّا أن غلبة الاشتراط توجب التوقف في الأخذ بالظاهر بل يجب عند بعض ترجيح الغالب وقد يقال إن دعوى الغلبة كليّة ممنوعة وكلام الشّهيد يحتمل اختصاصه بما علم كونه شرطا وشكّ في كونه واجبا لنفسه وتعلَّق الأمر به كالغسل لأن الغالب فيما هو شرط عدم كونه واجبا لنفسه لا مطلقا فلا قدح فيما أصّلناه إذ ورود مانع له في قضية خاصّة لا يقدح في الأصل قطعا فتأمل ثم إنّه يلحق بالأمر التّصريح بالوجوب بأن يقال هذا واجب أو يجب عليك كذا ونحو ذلك وأمّا إذا ثبت وجوبه بالإجماع وشك في كونه واجبا لنفسه أو لغيره ففي الحكم بكونه واجبا لنفسه بمعنى أنّه إذا أتى به مطلقا كان مجزيا إشكال بل الَّذي يقتضيه الأصل هو الاقتصار في مقام الامتثال على الوقت الَّذي يعلم بوجوبه فيه وهو الوقت الذي يجب فيه عند القائلين بكونه واجبا لغيره وذلك لأن الأصل عدم وجوبه قبل ذلك الوقت ولكن لا يمكن الحكم بتوقف ما يدّعي القائلون بتوقفه عليه وتقييد إطلاقه به لأن ذلك خلاف الأصل أيضا فهذا كالواجب لغيره من جهته وكالواجب لنفسه من أخرى هذا كلَّه فيما إذا وقع الشك في كونه واجبا لنفسه وشكّ في كونه واجبا لغيره أو كونه مستحبا لنفسه فهل الأصل فيه الأوّل أو التوقف فيه إشكال من أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب والإطلاق فإذا امتنع الجمع بينهما وجب إسقاط أحدهما وليس ترك الإطلاق أولى من ترك الوجوب فلا بد من التّوقف ومما قاله السّيّد الأستاذ رحمه الله من أنّه لا ريب أن الدلالة على الوجوب أقوى من الإطلاق فيجب ترك الأضعف قال وهو عند التحقيق يرجع إلى الدّوران بين التقييد والمجاز والتقييد خير من المجاز فإنه كالتّخصيص كثير شائع وقد يقال إن التّقييد وإن كان كثيرا إلَّا أن استعمال الأمر في النّدب كذلك والظاهر عدم بلوغه في الكثرة إلى حدّ التقييد ومن ثم كان ذلك المتبادر عند التعارض انتهى وهذا حسن إن قلنا بأن دلالة الأمر على كونه واجبا لنفسه من جهة الإطلاق لا غير وإن قلنا إن له دلالة أخرى إمّا بالالتزام أو التضمن على كونه واجبا لنفسه كما يظهر من السّيد الأستاذ رحمه الله فإنه قال في جملة كلام له فإن المنساق من إيجاب الشيء كونه مرادا لذاته ومطلوبا لنفسه انتهى فيشكل الترجيح بنحو ما ذكر لأن في التقييد يلزم رفع اليد عن ظاهرين أحدهما ظهور الإطلاق والثاني ظهور الخطاب في كون الشيء واجبا لنفسه ولا يلزم في الحمل على الاستحباب إلَّا مجاز واحد ولا ريب أنّه ينبغي حينئذ إمّا ترجيح المجاز أو التوقف وعلى أي تقدير يبطل ما ذكر اللهم إلَّا أن يدعى ترجيح التخصيص باعتبار بناء الأصحاب عليه فإنهم على الظاهر يحكمون به أو باعتبار كونه أظهر من المجاز مطلقا ولو لزم ترك الظاهرين فتأمل ثم إن السّيّد الأستاذ رحمه الله بعد ذكره التحقيق السابق قال ومثل هذا الدوران بين الوجوب الغيري مع تقييد الغير والوجوب الشرطي مع إطلاقه ومثاله قوله تعالى إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا لامتناع الوجوب النفسي فيه لمكان التعليق وكذا الوجوب لمطلق الصّلاة لاستحالة وجوب الوضوء للصّلاة المندوبة فالمراد به إمّا بيان اشتراط الوضوء لمطلق الصّلاة فيكون كقوله عليه السلام لا صلاة إلَّا بطهور أو بيان وجوب الوضوء للصّلاة الواجبة خاصة ويترجح الثاني بمثل ما مر فإن دلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة المطلق على أفراده ويؤيّده إطباق الفقهاء على الاستدلال به على الوجوب وربّما احتمل أن يكون ذلك للقطع بالإرادة في خصوص الآية فلا يتعلَّق بالنظر الأصولي واحتمل في الكشاف أن يكون المراد وجوب الوضوء للصّلاة الواجبة وأن يكون الأمر للندب وهو ساقط إذ لا وجه للنّدب مع وجوب الصّلاة إلَّا أن يبقى الاشتراط وهو خلاف الإجماع أو يخصّ الخطاب بغير المحدث فيرتكب