السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
130
مفاتيح الأصول
وأن وجوب بعضها على تقديره أنما بدليل خارج لا باعتبار قاعدة الأمر فإن قلت إن أكثر العلماء صرحوا باعتبار قصد الوجه والرفع والاستباحة وغير ذلك من الصّفات في العبادات فيظهر منهم أن الأصل وجوب نيّة الصّفات والعلم قلنا الظاهر منهم أنّ ذلك لدليل من الخارج لا للأصل سلمنا ولكن نمنع من حجية الشّهرة ما لم تصل إلى حدّ الإجماع سلمنا لكن نمنع تحققها إذ لا نصّ لقدماء أصحابنا على ذلك كما صرح به بعض الأصحاب ومتأخّرو المتأخرين اتفقوا على الظاهر على عدم لزوم نيّتها وإنما القائل به جمع سلمنا الشهرة وحجيّتها ولكن إنما أوجبوا ذلك فيما إذا تعددت الأوامر وكانت الصّفات مميّزة كما يظهر من كلماتهم لا مطلقا حتى فيما إذا اتحد ولم يحتج إلى التميز بالصّفات سلَّمنا ولكن ذلك لا يدلّ على وجوب قصد جميع الصّفات على أنّه لا يبعد دعوى الإجماع على عدم وجوب قصد جملة من الصّفات ككونه واجبا تخييريا أو كفائيا ونحو ذلك مما لم ينصّوا على وجوب القصد إليه وإن قلت قد ورد في أخبار عديدة ما يدلّ على عدم صحّة العمل وإجزائه بدون النية نحو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما الأعمال بالنّيات وقول ولده عليّ بن الحسين عليه السلام لا عمل إلَّا بنيّة والنّية على ما حكي عن جماعة من الأصحاب كالحلبي والقاضي والدّيلمي هي العزم على المنوي بصفاته المشروعة كرفع الحدث واستباحة الصّلاة لوجوبه قربة إلى اللَّه قلت النيّة في اللَّغة بمعنى القصد إلى الشيء لا غير والتعريف الَّذي ذكروه إن كان للمعنى اللَّغوي والشّرعي فبطلانه واضح وإن كان للمصطلح عليه بينهم فلا حجّة فيه إذ اللَّفظ لا يحمل على العرف الخاص إذا كان له معنى لغوي لا يقال علي تقدير الحمل على اللَّغة يمكن دعوى وجوب نيّة الصّفات المزبورة لأن حذف المنوي والمقصود في الأخبار المزبورة يدلّ على لزوم نيّة كل ما يمكن أن ينوى لأنا نقول هذا ممنوع فإن الظاهر منها إرادة قصد نفس العمل سلمنا لكن قوله عليه السلام لا عمل إلا بنيّة غايته الدّلالة على لزوم قصد مّا ولما كان قصد العمل وكونه للَّه تعالى مما لا ريب في وجوبه جاز الاقتصار عليه وكان إيجاب قصد الغير مفتقرا إلى دلالة وأمّا قوله صلى الله عليه وآله إنّما الأعمال بالنّيّات فالظاهر أن الإتيان بصيغة الجمع باعتبار الأعمال إذ لو كان باعتبار تعدد النيّات في كل عمل لزم تخصيص العام إلى الأقلّ من النّصف كما لا يخفى على أنّه لو وجب نية الصّفات لم يكن هناك نية وقصد واحد يتعلَّق بمقصود متصوّر صفاته وبالجملة لا دلالة في الأخبار المزبورة على لزوم نيّة الصّفات والعلم بها وإن قلت المحقق الخونساري حكى عن المتكلَّمين أنهم ذكروا أنّه لا بدّ في جنس الفعل من أن يفعل لوجوبه أو ندبه قلت لا حجة في كلامهم من حيث هو فنطالبهم بدليل ما ادعوه وليس كما أشار إليه الحاكي ذلك عنهم وقد صرّح المحقق بأنه كلام شعري واستحسنه في المدارك وغيره وإن قلت لولا نيّة الوجوب لجاز وقوع المأمور به رياء فلا يستحق الثواب وقد نبّه على هذا الشهيد فيما حكي عنه وربّما يظهر من نهاية الأحكام قلت إذا تحقق قصد القربة كما هو الفرض فلا يحتمل الرياء أصلا وذلك واضح وقد نبّه عليه الشّهيد الثّاني وغيره فإن قلت إن الفعل لما جاز وقوعه على وجوه متعدّدة فإنه يقع تارة واجبا وأخرى مندوبا ومرة أداء وأخرى قضاء افتقر اختصاصه بأحدها إلى النيّة وإلَّا لكان صرفه إلى البعض دون البعض ترجيحا من غير مرجح وبهذا استدل جماعة من الأصحاب كالحلي وابن زهرة والعلامة والشّهيد والمحقق الثّاني في إيجابهم نيّة بعض الصّفات قلت هذا إنّما يتم لو تعذر الأمر بالفعل وكان بعضها للوجوب والآخر للنّدب أو بعضا للأداء والآخر للقضاء وتعلَّقت بالمكلَّف في وقت واحد وأمّا إذا اتحد الأمر كما هو الفرض فلا كما أشار إليه بعض الأصحاب لا يقال فيما إذا اتحد الأمر يمكن وقوع الفعل بحسب قصد المكلَّف على وجوه متعددة وإن كان بحسب الشّريعة متّحدا فيجوز أن ينوي بالواجب المتحد شرعا الاستحباب عمدا أو سهوا أو جهلا وبالعكس وكذا يجوز أن ينوي مما يجب فعله أداء القضاء وبالعكس ولا ريب في عدم الإتيان بالمأمور به بهذه الجهة وقد أشار إلى هذا بعض المحققين لأنا نقول لا نسلَّم أن نية الخلاف مع اتحاد المأمور به شرعا مضرّ مطلقا في الامتثال والخروج عن العهدة واستحقاق الثواب إذ لا دليل عليه نعم قد يضر في الأخير إذا نافت كما لو نواه عمدا فتأمل سلمنا لكن نقول غاية ما ذكر الحكم بالفساد إذا نوى صفات وتبين خلافها وأمّا إذا لم ينو شيئا من الصّفات فلا يحكم بالفساد جدّا فلا دليل على وجوب نيتها حينئذ ولهذا عدل هذا المحقق عما قاله وبالجملة لا دليل على اشتراط الامتثال واستحقاق الثّواب بنيّة صفات المأمور به والعلم بها حيث يتحقق قصد القربة فالأصل عدمه ولا فرق في ذلك بين العبادة وغيرها وأمّا عدم استحقاق الثواب إذا لم يقصد التقرب والطاعة فممّا لا شبهة فيه وأمّا تحقق الامتثال بمعنى الخروج عن العهدة وعدم لزوم الإعادة بمجرّد الإتيان بالمأمور به ولو خلي عن قصد القربة فلأنه معلوم من عادة العقلاء ويشهد بهذا أن الأصحاب استدلوا على اشتراط القربة في العبادات نحو الوضوء والصّلاة بأدلَّة غير الأمر بها ولو كان اشتراط القربة من مقتضيات الأمر لكان الاستدلال به أولى قطعا على أن المرتضى صرّح فيما حكي عنه بصحّة العبادة الواقعة رياء بمعنى الخروج