السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
12
مفاتيح الأصول
وقال بعض المحققين والأولى أن لا يرتكب النقل لأنه خلاف الأصل بل هو مجاز فيه من باب إطلاق المصدر وهو الخطاب وإرادة ما خوطب به وهو اسم المفعول انتهى مفتاح اعلم أن الخطاب الشرعي قد يستقل بنفسه بالدلالة على الحكم وقد يفتقر في ذلك إلى ضميمة وهي على أقسام الأول خطاب آخر مثله كما في قوله تعالى أفعصيت أمري فإنه بنفسه لا يستقل بالدلالة على أن ترك المأمورية حرام يستحق عليه العقاب وإذا انضم إليه قوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم دل على ذلك فالحكم المزبور إنما يستفاد من تلفيق الآيتين الشريفتين وأما قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فإنه لا يستقل بنفسه بالدلالة على أن أقل الحمل ستة أشهر وإذا انضم إليه قوله تعالى وفصاله في عامين دل على ذلك وربما قيل أن دلالة هاتين الآيتين الشريفتين على ذلك من باب دلالة الإشارة المفسرة بدلالة اللفظ على المعنى بالتبع لا بالأصالة لأن بيان ذلك لم يكن مقصودا من اللفظ بل المقصود منه بيان حق الوالدة لحصول المشقة بكثرة الخدمة الثاني الإجماع كما في قوله تعالى وإذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم الآية فإنه بنفسه لا يستقل بالدلالة على وجوب الوضوء على الإناث وإذا انضم إليه الإجماع على عدم الفرق بين الذكور والإناث في حكم الوضوء دلّ عليه الثالث العقل كما إذا اختص الخطاب بمورد فإنه بنفسه لا يدل على اشتراك غيره معه وإذا انضم إليه العلم باتحادهما في علَّة ذلك الحكم فإنه يدل على ذلك وهو المسمى بتنقيح المناط ولو قيل أن جميع الخطابات الشرعية لا يستقل بأنفسها بالدلالة على الحكم بل لا بد من ضم مقدمة من إحدى المقدمات الثلاث لم يكن بعيدا ولكن الأصل لزوم الاقتصار على مورد الخطاب وعدم التعدي عنه إلى غيره إلا بعد تحقق ما يقتضي التعدية عقلا أو شرعا وهو من المسلمات بين المسلمين حتى القائلين بالقياس بل هو متفق عليه بين العقلاء وبرهانه واضح ودليله ظاهر ثم اعلم أن الخطاب الشرعي قد يدل على الحكم الشرعي بالالتزام كما يدل عليه بالمطابقة والتضمن والالتزام قد يكون باعتبار اللفظ للفرد وقد يكون باعتبار المركب ثم الالتزام قد يكون عقليّا كما في الأربع والزوجية وقد يكون شرعيّا كما في العتق والملكية وقد يكون عاديا كما في الحاتم والجود ولا شك ولا شبهة في حجية الأولين وأما الثالث فإن بلغ بحيث صار مفهوما من اللفظ ومتعارفا بين أهل اللسان وداخلا في اللَّغات كان حجة لما دل على حجية اللغات ولم أجد مخالفا صريحا نعم ربما يمكن استفادته ممن سدّ باب حجية المفاهيم كلها كالسيّد المرتضى رحمه الله وغيره فتأمل وإن لم يبلغ ذلك الحدّ فإن لم يحصل منه الظنّ المعتد به لم يكن حجة وإن أفاد الظن المعتد به كالمتاخم إلى العلم بنى على أصالة حجية الظن في الفقه فإن قلنا بها كان ذلك حجة وإلا فلا القول في الاشتقاق مقدمة قال في التهذيب الاشتقاق اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه حروف ذلك الأصل الأصول وفي النهاية قال الميداني الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب ويرد أحدهما إلى الآخر وقيل اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه حروف ذلك الأصل الأصول وقيل ما وافق أصلا بحروف الأصول ومعناه وقيل ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما مفتاح اعلم أن الأسماء المشتقة نحو الضارب والمضروب والمعلوم والحسن وأفضل من زيد لا تدل على شيء من الأزمنة الثلاثة أعني الماضي والحال والاستقبال لا وضعا بأن يكون الزمان جزءا من مدلولها الحقيقي كما أنه جزء من مدلول الفعل الحقيقي ولا التزاما عقليا بأن تكون موضوعة لذات مخصوصة مقيد نسبتها إلى إحدى تلك الصّفات بالكون في أحد الأزمنة كلفظ العمى الموضوع لعدم خاص يستفاد خصوصيّته من إضافته إلى البصر فيدل على البصر التزاما عقليّا لا وضعا لأن البصر لا يمكن أن يكون جزءا لما وضع له لفظ العمى أما عدم الدلالة على الزمان المستقبل فموضع وفاق على الظاهر المصرّح به في كلام جماعة من الأصوليين كالعضدي والبيضاوي والأسنوي وغيرهم فإنهم قالوا إن إطلاق المشتق باعتبار المستقبل كقوله تعالى إنك ميت مجاز اتفاقا ولو دل على الزمان المستقبل بأحد الوجهين المتقدمين لكان حقيقة وحكى بعض الأجلة عن صاحب الكوكب الدري دعوى كون إطلاقه باعتبار المستقبل حقيقة تمسّكا بإطلاق النحاة على قولنا ضارب غدا اسم الفاعل والأصل فيه الحقيقة وفيه بعد تسليم الأصل المذكور أن الأدلة القطعية تدفعه مع احتمال صيرورة لفظ اسم الفاعل حقيقة عرفية عندهم في غير معناه الأصلي وهو ما سيأتي إليه الإشارة إن شاء الله وبالجملة لا إشكال في ضعفه وشذوذه وأما عدم الدلالة على الزمان الماضي بالخصوص مطلقا أيضا فهو أيضا موضع وفاق إذ للأصوليين في مسألة المشتق قولان أحدهما أنه موضوع للذات التي تلبست بالمبدأ في الحال والثاني أنه موضوع للذات التي تلبست بالمبدأ في الجملة سواء كان في الحال أو في الماضي وعلى كلا القولين لا يدل على ذلك أما على الأول فواضح وأما على الثاني فلأن العام لا يدل على الخاص بشيء من الدلالات وإذا استعمل فيه بالخصوص كان مجازا اتفاقا وأما عدم الدلالة على الزمان الحاضر بالوجه الأول فالظاهر أنه أيضا موضع وفاق أما من القائلين بالدلالة على المعنى الأعم من الماضي والحال فواضح و