السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

126

مفاتيح الأصول

الحال باعتبار حصول خلل في إتيانه أو ترك للمأمور به في الوقت المضروب له وإن ادعوا أن لفظ الأمر لا يدل لغة على الخروج عن العهدة وارتفاع الاشتغال به بعد الإتيان به وأنّه لا يدلّ أيضا لغة على عدم الأمر بذلك المأمور به في ثاني الحال وأنّه يجوز تعلَّق أمر آخر مرة أخرى وأن الأمر الأوّل لا يعارضه لفظا فتلك دعاوي صحيحة لا دليل على بطلانها وقد صار إليها جماعة من الأعاظم كالسّيّد وابن زهرة والشّيخ والآمدي وغيرهم وذلك لأن دلالة اللفظ على معنى إمّا بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام وكلَّها منتفية قطعا وبالجملة غاية ما يستفاد من الأمر ليس إلَّا مجرّد طلب الفعل وليس فيه دلالة لفظية على أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي رفع الاشتغال ولا على عدم تعلق آخر بهذا الفعل وإنّما الحاكم بالأوّل هو العقل كما يحكم باستحقاق الثواب على الفعل على بعض الوجوه وباستحقاق العقاب على الترك على بعض الوجوه والحاكم بالثّاني هو الأصل ونحوه وإذا قام دليل على خلافه وجب الأخذ به ولا يكون دافعا لظاهر الأمر الأوّل وهل يسمّى قضاء أو لا المعتمد هو الأول وعلى هذا يمكن أن يقال من أحكام الإتيان بالمأمور به على وجهه سقوط القضاء ولو نازعنا في هذا منازع لكان منازعا في أمر اصطلاح والأمر فيه سهل وكما لا يدلّ الأمر لغة على ما ذكر كذلك لا يدلّ عليه شرعا ولا عرفا وينبغي التنبيه على أمرين الأوّل إذا أمره الشّارع بشيء عبادة كان أو لا فأتى المأمور بفعل معتقدا على وجه القطع واليقين أنّه المأمور به في الواقع كما إذا علم أن ما أتى به وضوء صحيح موافق للواقع أو ما رده وديعة طلبها صاحبها ثم تبين وعلم بعد ذلك أن ما أتى به ليس هو المأمور به على وجهه أمّا لفقد نفسه أو لفقد جزئه أو ركنه أو شرطه فهل مجرّد اعتقاده ذلك أو الامتثال الظاهري يكون كافيا في سقوط التكليف فلا يجب عليه الإعادة ولا القضاء فيما يجب فيه القضاء ويترتب عليه الثواب ولا يستحق على الترك العقاب كما إذا أتى بالمأمور به على وجهه بحسب الواقع أو لا إشكال من إطلاق المعظم أن امتثال الأمر يقتضي الإجزاء بمعنى الخروج عن عهدة التكليف وسقوط التعبّد به ثانيا وأنّه كان مكلَّفا حين العمل بمعتقده ولم يكن مكلفا بما في الواقع لأنه تكليف بما لا يطاق فالمأمور به بالنسبة إلى المفروض هو هذا العمل الَّذي أتى به على وجهه فيلزم منه أن يترتب عليه جميع ما يترتب على الإتيان بما هو متعلق الأمر الشرعي بحسب الواقع وأنّه كان خير العمل وبعده متيقنا ببراءة ذمته عن الواقع وبإتيانه بالمأمور به وسقوط التكليف عنه فيجب استصحاب المذكورات بعد انكشاف الخطاء عملا بعموم قوله عليه السلام لا تنقض اليقين إلَّا بيقين مثله ونحوه وأن في لزوم الإعادة حرجا عظيما في كثير من الصّور ومن أنّه لم يأت بالمطلوب على الوجه الذي أراده الطالب وكان فيه المصلحة وغاية اعتقاده رفع المؤاخذة عنه لا سقوط التّكليف وأن مقتضى إطلاق الأمر لزوم الإتيان بالمأمور به على وجهه مطلقا ولو أتى بما يعتقد أنّه هو المأمور به بحسب الواقع وأن العقلاء لا يعذرون من أتى بحجر معتقدا أنّه الجوهر الَّذي أمره الآمر بإتيانه وأن المعهود من سيرة الإسلام والمسلمين أن الأصل هو الإتيان بالتكليف الواقعي وأن التفويت في نفس الأحكام الشّرعية والموضوعات الصّرفة باطل وأمّا الوجوه المتقدمة الدالة على السقوط ضعيفة جدّا يظهر وجهه بالتأمل فإذن الأصل عدم السقوط والإتيان بالمأمور به بحسب الواقع حيث يثبت فساده ويكون مقتضى إطلاق الأدلة أو عمومها لزوم الإتيان به مطلقا نعم قد يعدل عن هذا الأصل لدليل من خارج كقاعدة الحرج أو ورود نصّ معتبر أو انعقاد إجماع على عدم لزوم الإعادة في فرض خاص وكذلك يمكن أن يقال الأصل لزوم الإتيان بما هو المطلوب الواقعي فيما إذا جعل الشارع شيئا بدلا عن الواقع ثم تبيّن خلافه فعلى هذا الأصل فيما إذا تبيّن للمجتهد فساد ظنه الإعادة والأصل الإعادة فيما إذا صلَّى بالشك في الطهارة أو بالظن بالإتيان بالأفعال والأركان ثم تبين الخطاء وإن كان في بعض الصور لا يجب شرعا الإعادة ولا يكون ما فعله تبعا لأمر الشارع كافيا وفي بعض الصّور يجب الإعادة شرعا ولا يكون ذلك كافيا وبالجملة مجرّد جعل الشارع شيئا بدلا عن الواقع أو حكم العقل به لا يكون موجبا لسقوط التكليف بعد انكشاف الخطاء وإنّما غاية ذلك جواز الاعتماد على البدل حيث لا يظهر المخالفة للواقع فتأمل الثاني لا فرق في جميع ما ذكرناه في هذه المسألة بين الواجب والمستحب كما لا يخفى مفتاح إذا ورد من الشارع أمران فلا يخلو إمّا أن يتضاد متعلَّقهما بحيث لا يمكن الجمع بينهما كالأمر بالتوجّه إلى الكعبة والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس أو لا يتضاد فإن كان الأوّل فيكون الثاني ناسخا للأوّل إن علم الثانوية وإلَّا فالمنسوخ أحدهما فليلتمس دليل من الخارج على التّعيين وإن كان الثاني فلا يخلو إمّا أن يتخالفا أو يتماثلا فإن كان الأول فيعمل بمقتضاهما إجماعا كما في النهاية وإحكام الآمدي وكاشف الرموز ولا فرق في ذلك بين أن يكون الثاني معطوفا على الأوّل نحو صلّ وصم أو لا نحو صل حجّ ولا بين ما إذا أمكن الجمع بينهما مباشرة كالصّلاة والصيام أو لا نحو الصّلاة والطواف والوجه أنهما دليلان لا تعارض بينهما فيجب العمل بهما وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون أحدهما معطوفا على الآخر أو لا فإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكون أحدهما معرّفا باللام أو كلاهما أو لا فإن كان