السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
108
مفاتيح الأصول
الآمر في نفسه غير عال أمّا اشتراط الاستعلاء كما عليه المحقق والعلامة والشهيد والشيخ البهائي وصاحب غاية البادي والخطيب القزويني وصاحب المطالع والتفتازاني وحكي عن أبي الحسين البصري وفخر الدّين وجميع النّحاة وعلماء البيان وأكثر علماء الأصول فلأن العالي إذا طلب الدّاني ملتمسا غير مستعمل نفسه لم يعد آمرا ولا ما قاله أمرا ولا مخاطبه مأمورا ولو كان مجرّد العلو كافيا لما صحّ ذلك لا يقال قد استعمل لفظ الأمر من غير استعلاء كما في قوله تعالى ما ذا تأمرون وقول عمرو بن عاص لمعاوية آمر بك أمرا جازما فعصيتني والأصل فيه الحقيقة لأنا نقول نمنع من الأصل المذكور بل الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز على أنا نقول المراد بالأمرين في المثالين المؤامرة والمشاورة نصّ عليه في مجمع البيان والكشاف ويؤيد ما ذكر ما حكاهم نجم الأئمة من الإجماع على أن الأمر عند الأصولي افعل على سبيل الاستعلاء وأمّا الاكتفاء بمطلق الاستعلاء وإن لم يتحقق العلوّ فلأنه يصدق على قول الأدنى للأعلى افعل على وجه الاستعلاء أنّه آمر ولا يصحّ سلبه عنه عرفا وإن كان ذلك قبيحا عندهم إذ القبح لا ينافي كون الإطلاق حقيقة إذا لم يؤكده والظاهر أن هذا خيرة الأكثر خلافا للمحكي عن المرتضى وأبي إسحاق الشيرازي وابن الصّباغ والسمعاني من الأشاعرة وجمهور المعتزلة فاشترطوا العلوّ فيه وربّما يظهر من العضدي والبيضاوي والأصفهاني أنّه لا يشترط بواحد من الأمرين فيلزمهم كون الالتماس والدّعاء والتمني والترجي أمرا وهو مقطوع بفساده كما صرّح به التفتازاني الثّالث اعلم أن الطلب المعتبر في الأمر أمر معلوم وهو غير الصّيغة كما أشار إليه العلَّامة محتجا بعدم اختلافه باختلاف اللغات بخلاف الصّيغة وبوجودها من السّاهي والغافل والنائم مع انتفائه الرابع اعلم أنّه ذهب العلامة إلى أن الطَّلب هو نفس الإرادة كما عن علمائنا الإمامية والمعتزلة وخالف فيه الأشاعرة للأولين ما أشار إليه العلامة فقال وهل هو نفس الإرادة أو غيرها الحق الأوّل فإنا لا نعلم الزائد على الإرادة ولا يجوز وضع اللفظ الظاهر لمعنى غير معقول والأشاعرة أثبتوا للطلب معنى مغايرا للإرادة انتهى وللآخرين وجوه منها أنّه تعالى أمر الكافر بالطاعة والحال أنّه لم يردها منه لأنه تعالى عالم بعدم إيقاعها منه فيكون ممتنع الوقوع لذلك وإلا لزم انقلاب علمه تعالى جهلا وهو محال فلا يريدها وإلَّا لكان تكليفا بالمحال وفيه نظر أمّا أوّلا فللمنع من عدم جواز التكليف بهذا المحال عندهم كما أشار إليه بعض فقال معترضا على الحجة قوله فيكون تكليفه بها حينئذ تكليفا بالمحال ليس له مدخل في حجتهم لأن التكليف بها واقع اتفاقا وإن كان وقوعها محالا عندهم والتّكليف بهذا المحال لا يمنعونه ولو قال بدله فيكون إيقاعها محالا فلا يكون مرادا له تعالى كان أجود انتهى وأمّا ثانيا فللمنع من عدم إرادة الطاعة من الكافر والعلم لا يؤثر في المعلوم وإلَّا لكان علمنا بطلوع الشمس غدا مؤثرا فيه ولكان أفعاله تعالى غير مقدورة له لتعلق علمه تعالى إما بفعله أو بعدمه فإن كان الأوّل لزم محالية الثاني وإن كان الثاني لزم محاليّة الأول فلا يكون مقدورا له إذ المقدور ما ساوى وجوده وعدمه عند الفاعل بمعنى أنّه إذا شاء فعل وإذا شاء لم يفعل وهو هنا غير متحقق وقد أشار إلى هذا الجواب العلَّامة وأمّا ثالثا فللمنع من صحة الطلب على تقدير عدم صحة الإرادة ومنها أنّه يصحّ أن أريد منك الفعل ولا آمرك به فلو كانا متحدين لما صح ذلك وأجاب عنه في التهذيب فقال ونفي الأمر معناه نفي الإلزام وإن كان يريد إيقاع الفعل اختيارا انتهى وقد يجاب بأنهما لو كانا متغايرين لصحّ أن يقال أطلب منك ولا أريده مطلقا والتالي باطل وقد يعارض بأنهما لو كانا متحدّين لما صح أن يقال أردت الفعل من فلان وما طلبت منه والتالي باطل فيظهر منه أن الإرادة أعم من الطلب فتأمل ومنها أنّه يصحّ أن يأمر السّيد عبده بفعل لا يريد إيقاعه طلبا لإظهار عذره وأجاب عنه العلامة فقال وإن الطلب والإرادة متساويان في أمر طالب العذر والجواب واحد وهو أنّه وجد منه صورة الأمر وإن لم يرده ولم يطلبه وربّما أجيب بأنا لا نسلَّم أن الطَّالب للعذر لا يطلب ولا يريده ما أمر به وإن أفضى إلى هلاكه إذ لا ضير أن العاقل يطلب شيئا يفضي إلى هلاكه لغرض لكن بعدم صدور ما أمر به الخامس اعلم أنّه حكي عن أكثر علمائنا والكعبي من المعتزلة والبيضاوي والعبري وقاطبة الأشاعرة القول بأن الصّيغة تدل على الطلب بالوضع وإليه ذهب العلامة في التهذيب وحكي عن المرتضى وأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم القول بأنّه يشترط في دلالة الأمر على الطلب إرادته فلا يدلّ عليه بدونها والمعتمد عندي هو الأوّل لما بينّاه سابقا لا يقال يدلّ على القول الثاني ما حكاه في التهذيب عن الجبائيين من الاحتجاج على ما صار إليه من أن المميّز بين الأمر والتّهديد هو الإرادة لأنا نقول هذا لا يدل على ذلك للمنع من الحصر المذكور بل المميّز هو الوضع فإن الأمر موضوع لغير التّهديد وهو مجاز وقد صرّح بهذا الجواب في التهذيب السّادس قال العلامة في التهذيب لا أثر لإرادة المأمور به في صيرورة الصّيغة أمرا خلافا لهما لأنها دالة بالوضع على الإرادة فلا تفيد الصّيغة الدّالة عليها صيغة الآمرية كالمسميات مع الأسماء انتهى وحكى ما ذكره عن المحققين وقال السّيّد عميد الدّين وفيه نظر منشأ ضعف القياس والحق أن يقال إن أراد مدعي تأثير الإرادة في كون