السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
105
مفاتيح الأصول
والعمل بمقتضاهما هنا محال لاستحالة اجتماع النقيضين لأنا نقول احتمال كونها كلمة برأسها لا مركبة مدفوع باتفاق الفريقين على أنّها مركبة من إن وما فإذن نقول ما ادعاه المتمسّك بهذه الحجة من أن ما في إنما نافية ممّا ادعاه الآخرون من أنها مؤكدة لأن الحمل على الأوّل تأسيس وهو أولى من التّأكيد وأمّا الوجوه المتقدمة فلا تنهض لإثبات كونها لغير النّفي أما الأوّل فلوهنه بمصير جماعة من أعاظم الأصوليّين كالعلامة والرازي وغيرهما إلى أنّها نافية ومن نفي اطلاعهم على النحو فقد غلط ويعضد قولهم نسبة القول بأنها نافية إلى الفارسي وإنكار ابن هشام لا يسمع فإن شهادة الإثبات مقدّمة مع أن الَّذي اعترف به من تصريح الفارسي بأن العرب عاملوا إنما معاملة النّفي والإثبات يدلّ على صحة ما نسب إليه لأن هذه المعاملة لا تصح إلَّا بعد كون ما نافية أو إنما كلمة مفردة لا مركبّة ولما كان الثاني باطلا كما عرفت انحصر الوجه في الأوّل ثم إن ما أورده في المغني على قول المحتجّين بهذه الحجّة من أن إن للإثبات فيجاب عنه بأن المراد بالإثبات إثبات ما دل عليه القضيّة إثباتا كان المدلول أم نفيا وأما الثاني فللمنع من كليّة كون لفظ إن ناصبة كيف والأصل عدم كونها ناصبة لأنها حينئذ ناسخة فيقتصر على القدر المتيقن وهو ما إذا تجردت عن كلمة ما وأمّا معها فلا دليل على كونها ناصبة وبنحو هذا يجاب عن الوجهين الأخيرين وبالجملة منع كون ما للنفي بالوجوه المزبورة بعيد نعم إن منع من اتفاق الفريقين على كون إنما مركبة من إن وما بمعنى اعتبار معنى المفردين حين التركيب لكان لمنع كونها للنفي وجه ولكن فيه نظر نعم قد يمنع من أولوية كون ما للنفي فإنّه على هذا التقدير يلزم إضمار المنفي وهو خلاف الأصل فيدور الأمر حينئذ بين الإضمار مع التأسيس والتأكيد مع عدم الإضمار وحيث لا مرجّح وجب الوقف فلا يمكن دعوى كون ما للنفي وقد يمنع من عدم المرجّح فإن توالي آلتي التأكيد قليل بخلاف الإضمار فكان المحذور اللازم على تقدير كون ما للنفي أهون من المحذور اللازم على تقدير عدم كونها للنفي فيرجح الأوّل ولكن الإنصاف أن دعوى تركب إنما من إن وما مشكل فإن التبادر يشهد بالإفراد ولكن نقول كما أن التّبادر يشهد بذلك كذا يشهد بإفادتها الحصر فظهر من هنا دليل قوي على إفادة إنّما الحصر وهو تبادره وهو من أقوى إملاءات الوضع الثّالث أنّه يصح انفصال الضمير معها نحو إنما يقوم أنا ولولا كونها للحصر لما صحّ ذلك أصلا أمّا المقدمة الأولى فلقول فرزدق أنا الذّائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وأمّا المقدمة الثّانية فلأنّ الانفصال معها لا بدّ أن يكون لوجه وغرض لما تقرّر عند النحاة على ما حكي من أنّ الانفصال لا يجوز إلَّا لتعذّر الاتصال ولا يتعلَّق هنا وجه وغرض ممّا عدوّه سببا للعدول عن أصالة الاتّصال سوى إرادة الحصر الَّتي هي أحد الأغراض في العدول كما نصّوا عليه لا يقال لم يثبت من قول فرزدق إلَّا صحّة الانفصال معها في الجملة ولعلّ الوجه في شعره الضرورة سلمنا ولكن غاية ما يثبت من ذلك أن إنما إذا وقعت مع انفصال الضمير كانت مستعملة في الحصر ولا يدلّ هذا على أنّها على الحقيقة فلعله مجاز والقرينة أنّه لولا كونها للحصر في الصّورة المزبورة لزم الفصل بلا وجه وغرض لأنا نقول إن الانفصال في شعر فرزدق الَّذي هو دليل صحة الانفصال معها ليس للضّرورة كما صرّح به في المطوّل فانحصر أن يكون الوجه فيه إرادة الحصر ولا يكون هي من باب المجاز لأنه لا علاقة بين التأكيد والحصر حتّى يصحّ أن يستعمل اللَّفظ الموضوع للتّأكيد في الحصر ولعلّ القائل بأنّها للتأكيد لا يجوّز استعمالها في الحصر فتأمل الرّابع أنّه لما كانت كلمة إن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم اتّصلت ما المؤكدة لا النافية كما توهّم ناسب أن يتضمّن معنى الحصر وإلَّا لكان ذلك تأكيدا على تأكيد لا يقال نمنع من اقتضاء اجتماع حرفي التأكيد الحصر لمنع الدّليل عليه مع أنه يدفعه عدم فهم الحصر في قولنا إن زيدا لقائم مع اجتماع حرفي التأكيد فيه وقد أشار إلى هذا التفتازاني فقال بعد الإشارة إلى هذه الحجّة ويجب أن يعلم أن هذه مناسبة ذكرت لوضع إنما متضمّنا معنى ما وإلَّا لأنا نقول الأصل في اجتماع حرفي التأكيد إفادة الحصر ولا يقدح فيه التخلف والمستند في ذلك تصريح الطبرسي في مجمع البيان وعلي بن عيسى الرّبعي به وفي كلام التفتازاني دلالة عليه وفيه نظر الخامس أن إنما إذا كانت للحصر كانت للتأسيس وإلَّا كانت للتأكيد ولا شكّ أن الأوّل أرجح لا يقال إن هذا إثبات اللَّغة بالعقل وهو باطل سلمنا لكن نقول لو كانت للحصر لكان الغالب في استعمالها التجوّز لأن الحصر الحقيقي نادر ولا كذلك لو كانت للتأكيد فيدور الأمر حينئذ بين المجاز والتّأكيد فيجب الوقف لو لم نقل بترجيح التّأكيد لأنا نقول ذلك ممنوع بل سبيل هذه الحجّة كسبيل أصالتي عدم النقل وعدم الاشتراك في مقام إثبات الوضع ومرجع الجميع إلى الظن بوضع الواضع وهو حجة وأما كونها مفيدة للظنّ فممّا لا ريب فيه لغلبتها وهي تفيد الظنّ ولا شكّ أن التأسيس أغلب من التّأكيد كما أن عدم النّقل والاشتراك أغلب منهما وأما دعوى دوران الأمر بين المجاز والتّأكيد من غير ترجيح ففيها أولا أن التجوز لازم على تقدير التأكيد أيضا لأن استعمال إنما في الحصر مما لا ينبغي إنكاره وغلبة التجوز على تقدير