السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

103

مفاتيح الأصول

ما ذكر أمور منها إنكارهم على ابن عبّاس في أمره إيّاهم بالعمرة قبل الحجّ محتجين في ذلك بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة إذ لولا فهمهم الترتيب من الواو لما اتجه الإنكار على مثل ابن عباس ومنها إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من قال في خطبته من أطاع اللَّه ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى فقال بئس خطيب القوم أنت قل ومن عصى اللَّه ورسوله إذ لولا كونها للترتيب لما جاز الإنكار ومنها اتفاق الفقهاء على ما قيل على أنه إذا قيل أنت طالق وطالق لم يقع إلا واحدة دون ما إذا قال طالق طلقتين إذ ليس ذلك إلا لكون الواو في الأوّل للترتيب لأنه عليه يلزم نفوذ الطَّلاق الأوّل فلا يبقى للطلاق الثاني محلّ فلا يقع ولو كانت للجمع المطلق لم يتصور هناك أوّل وثان كما في قوله طالق طلقتين فيلزم أن يقع الطَّلقتان كما في القول الثّاني ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن الحسن بن محبوب عن أبي جميلة عن حمران عن أبي جعفر عليه السلام في رجل أوصى عند موته وقال أعتق فلانا وفلانا حتى ذكر خمسة فنظر في ثلثه فلم يبلغ ثلاثة أثمان قيمة المماليك الخمسة الَّذين أمر بعتقهم قال ينظر إلى الَّذين سماهم وبدأ بعتقهم فيقومون وينظر إلى ثلثهم فيعتق أوّل شيء ذكر ثم الثاني ثمّ الثالث ثم الرابع ثم الخامس فإن عجز الثلث كان في الذين سمّاهم أخير لأنه عتق بعد مبلغ ما لا يملك فلا يجوز له ذلك فإن هذه الرّواية ظاهرة الدلالة على إفادة الواو الترتيب كما صرّح به في قيح لا يقال هذه الرّواية ضعيفة السّند باشتماله على أبي جميلة لأنا نقول ضعف هذا الرّجل غير قادح لأن الرّاوي عنه ابن محبوب وهو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه وهذا يفيد التوثيق كما ذكره جماعة أو صحة الرّواية على أنه صرّح في قيح والكفاية بأن المشهور أفتوا بمضمونها فينجبر ضعفها به لأنا نقول الأمور المذكورة لا تصلح للمعارضة أمّا الأول فلأن إنكارهم على ابن عبّاس لعلَّه كان من أجل مخالفته لكلية ابدؤا بما بدأ اللَّه لا لدلالة الواو على الترتيب على أنه قال في التهذيب إنكارهم على ابن عباس معارض بأمر ابن عباس وأيضا أمر ابن عبّاس أرجح لأنّه يدلّ على المطلوب ولاحتمال فهمهم الجمع المطلق المتناول لتقديم الحج والعمرة فأمر ابن عبّاس بتقديم العمرة يدفع العمومية المستفاد من مطلق الجمع الدّالة على التخيير وهو مطلوبنا انتهى وأمّا الثاني فلاحتمال كون الإنكار لترك الخطيب الإفراد بالذكر فإنّه أبلغ في التعظيم وأدخل في الرّدع عن المعصية مع أنه غير ثابت وأمّا الثالث فللمنع منه سلَّمنا ولكن الطلاق الثاني ليس له محلّ بعد الأول فلأنه بمجرد إطلاقه ينفذ فليس ذلك باعتبار إفادة الواو الترتيب بل باعتبار الترتيب في الذكر ولذا يحكم بعدم صحّة الطلاق الثاني لو قال أنت طالق أنت طالق من غير عطف فتأمل وأمّا الرّابع فلمنع دلالته على وضع الواو للتّرتيب وإنما غايتها لزوم مراعاة الترتيب الذكري وهو كما يمكن أن يكون بالواو كذا يمكن أن يكون باعتبار الشرع تعبّدا بمعنى أن الشرع أوجب مراعاة الترتيب الذكري لحكمة لا نعلمها ولعلّ في الرّواية إشارة إلى هذا حيث لم يعلل الحكم بوجود الواو بل بغيره ويؤيّد هذا مصير المعظم إلى ما في الرّواية مع القطع بأنّهم لا يقولون بأن الواو للتّرتيب على أنه يمكن تنزيل الرّواية على ما إذا كان العطف بالجملة المستقلَّة نحو أن نقول أعطوا فلانا كذا وأعطوا فلانا كذا وهذا يفيد الترتيب بناء على ما ذكره المحقق الثاني والشهيد الثاني من أن الوصيّة الصّادرة أولا نافذة لصدورها من أهلها في محلَّها بخلاف الصّادر بعد استيفاء الثلث ولا سبيل إلى التوزيع مع الضّيق لاستلزامه تبديل الوصيّة النافذة قال في المسالك ولا يقال إن الحكم أنّما يتحقق عند تمام الكلام والمعطوف من جملته لأن الوصايا المتعددة على الوجه السّابق يتم الكلام مع كلّ واحدة كقوله أعطوا فلانا كذا وأعطوا فلانا كذا فإنه إذا صادفت الأولى محلّ النفوذ نفذت ولم يجز تعبيرها بطروّ أخرى عليها كما لو باع شيئا لزيد ثم باعه لعمرو وإنما يكون جملة واحدة حيث لا يتم بدونه كقوله أعطوا فلانا وفلانا كذا انتهى ولا يقال غاية ما يستفاد من هذه الحجّة بطلان القول الأوّل والثاني وليس فيها دلالة على صحّة هذا القول لأن السؤال يصحّ مع فرض اشتراك اللفظ بين التّرتيب والمعية وقد قال به بعض كما عرفت لأنا نقول لا يمكن إن يكون السّبب في السّؤال هنا اعتقاد الاشتراك لامتناع إرادة المعية هنا عقلا فيلزم إرادة المعنى لآخر وهو الترتيب ولا وجه للسؤال على تقدير الاشتراك فتعيّن أن يكون الوجه هو اعتقاد الوضع للمفهوم الكلَّي والقدر المشترك بين الأمرين واحتمال أن يكون وجه السّؤال هو وجوب أخذ المناسك منه صلى الله عليه وآله لقوله صلى الله عليه وآله خذوا عني مناسككم في غاية الضّعف فتأمل ومع هذا فالقول بالاشتراك اللفظي شاذ وكذلك القول بالمعية فلا يمكن المصير إليها من هذه الجهة العاشر أن المتبادر من الإطلاق هو المفهوم الكلَّي والتبادر من أمارات الحقيقة لا يقال هو ممنوع وإلا لما وقع الخلاف في المسألة لأنا نقول مجرد الخلاف لا يمنع من ثبوت التبادر وكم وقع فيما ثبت فيه التبادر فإذن هذا القول هو المعتمد وينبغي التنبيه على أمور الأوّل اعلم أنه حكي عن الفيروزآبادي وابن مالك التصريح بكثرة استعمال الواو في الترتيب ورجحان استعمالها في المعيّة وقلته في خلاف الترتيب فهل هذا يوجب حمل الإطلاق عليه أو لا فيه إشكال والظاهر