ابن كثير
8
البداية والنهاية
قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ، وإن المضمار اليوم وغدا السباق ، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل ( 1 ) ، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله ، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة ، ألا وإنه لم أر كالجنة نام طالبها ، ولم أر كالنار نام هاربها ( 2 ) ، وإنه من لم ينفعه الحق ضره بالباطل ، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال ، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ، وذللتم على الزاد ، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وإن الآخرة وعد صادق ، يحكم فيها ملك قادر ، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم . أيها الناس : أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم ، فإن الله وعد جنته من أطاعه ، وأوعد ناره من عصاه . إنها نار لا يهدأ زفيرها ، ولا يفك أسيرها ، ولا يجبر كسيرها ، حرها شديد ، وقعرها بعيد ، وماؤها صديد ، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل . وفي رواية فإن اتباع الهوى يصد عن الحق ، وإن طول الامل ينسي الآخرة . وعن عاصم بن ضمرة قال : ذم رجل الدنيا عند علي فقال علي : الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنا وزاد لمن تزود منها ، ومهبط وحي الله ، ومصلى ملائكته ، ومسجد أنبيائه ، ومتجر أوليائه ، ربحوا فيها الرحمة ، واكتسبوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد آذنت بغيلها ، ونادت بفراقها ، وشابت بشرورها السرور ، وببلائها الرغبة فيها والحرص عليها ترغيبا وترهيبا ، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالأمالي متى خدعتك الدنيا أو متى اشتدمت إليك ؟ أبمصارع آبائك في البلا ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم مرضت بيديك ، وعللت بكفيك ، ممن تطلب له الشفاء ، وتستوصف له الأطباء ، لا يغني عنه دواؤك ، ولا ينفعه بكاؤك . وقال سفيان الثوري والأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري . قال : جاء رجل إلى علي فأطراه - وكان يبغض عليا - فقال له : لست كما تقول ، وأنا فوق ما في نفسك . وروى ابن عساكر أن رجلا قال لعلي : ثبتك الله قال : على صدرك . وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا سفيان بن عيينة عن أبي حمزة ، عن يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، قال قال علي : إن الامر ينزل إلى السماء كقطر المطر لكل نفس ما كتب الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال ، فمن رأى نقصا في نفسه أو أهله أو ماله ، ورأى لغيره عثرة فلا يكونن ذلك له فتنة ، فإن المسلم ما لم يعش دناه يظهر تخشعا لها إذا ذكرت ، ويغرى به لئام الناس ، كالبائس العالم ينتظر أول فورة من قداحه توجب له المغنم ، وتدفع عنه المغرم فكذلك المسلم البرئ من الخيانة بين إحدى الحسنيين ، إذا ما دعا الله ، فما عند
--> ( 1 ) بعدها في النهج شرح محمد عبده ص 125 : فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله . ولم يضرره أجله . ( 2 ) قال شارح النهج محمد عبده : من العجائب الذي لم ير له مثيل أن ينام طالب الجنة في عظمها واستكمال أسباب السعادة فيها ، وأن ينام الهارب من النار في هولها واستجماعها أسباب الشقاء .