ابن كثير

372

البداية والنهاية

ثم قال معاوية : هيه يا خبيب ، قال : إلى ههنا انتهى ، قال : فدعا معاوية بثلاثين عبدا على عنق كل واحد منهم بدرة ، ( ؟ ؟ ؟ ) عشرة آلاف درهم ، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره . وروى ابن أبي الدنيا ؟ عن أبي يزيد النميري ، عن أبي عاصم النبيل ، عن جويرية بن أسماء : أن معاوية لما حج تلقته الناس وتخلف ابن الزبير ثم جاءه وقد حلق رأسه ، فقال : يا أمير المؤمنين ما أكبر حجرة رأسك ! ! فقال له اتق أن لا يخرج عليك منها حية فتقتلك ، فلما أفاض معاوية طاف معه ابن الزبير وهو آخذ بيده ثم استدعاه إلى داره ومنازله بقعيقعان ، فذهب معه إليها ، فلما خرجا قال : يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره ومنازله ففعل معه ماذا ، لا والله لا أدعك حتى تعطيني مائة ألف ، فأعطاه فجاء مروان فقال : والله يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك ، جاءك رجل قد سمى بيت مال الديوان وبيت الخلافة ، وبيت كذا ، وبيت كذا ، فأعطيته مائة ألف ، فقال له : ويلك كيف أصنع بابن الزبير ؟ وقال ابن أبي الدنيا : أخبرني عمر بن بكير ، عن علي بن مجاهد بن عروة قال : سأل ابن الزبير معاوية شيئا فمنعه ، فقال : والله ما أجهل أن ألزم هذه البنية فلا أشتم لك عرضا ولا أقصم لك حسبا ، ولكني أسدل عماتي من بين يدي ذراعا ، ومن خلفي ذراعا في طريق أهل الشام وأذكر سيرة أبي بكر الصديق وعمر فيقول الناس : من هذا ؟ فيقولون ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن بنت الصديق ، فقال معاوية : حسبك بهذا شرفا ، ثم قال : هات حوائجك . وقال الأصمعي : ثنا غسان بن نصر ، عن سعيد بن يزيد . قال : دخل ابن الزبير على معاوية فأمر ابنا له صغيرا فلطمه لطمة دوخ منها رأسه ، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي : ادن مني ، فدنا منه ، فقال له : الطم معاوية ، قال : لا أفعل ، قال : ولم ؟ قال لأنه أبي ، فرفع ابن الزبير يده فلطم الصبي لطمة جعله يدور منها كما تدور الدوامة ، فقال معاوية : تفعل هذا بغلام لم تجز عليه الاحكام ؟ قال : إنه والله قد عرف ما يضره مما ينفعه ، فأحببت أن أحسن أدبه . وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني : عن عبد الله بن أبي بكر قال : لحق ابن الزبير معاوية وهو سائر إلى الشام فوجده وهو ينعس على راحلته ، فقال له : أتنعس وأنا معك ؟ أما تخاف مني أن أقتلك ؟ فقال : إنك لست من قتال الملوك ، إنما يصيد كل طائر قدره . قال لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب ، وهو من تعلمه ، فقال : لا جرم قتلكم والله بشماله . قال : أما إن ذلك كان في نصرة عثمان ، ثم لم يجز بها . فقال : إنما كان لبغض علي لا لنصرة عثمان ، فقال له ابن الزبير : إنا قد أعطيناك عهدا فنحن وافون لك به ما عشت ، فسيعلم من بعدك ، فقال : أما والله ما أخافك إلا على نفسك ، وكأني بك قد خبطت في الحبالة واستحكمت عليك الأنشوطة ، فذكرتني وأنت فيها ، فقلت ليت أبا عبد الرحمن لها ، ليتني والله لها ، أما والله لأحللتك رويدا ، ولأطلقتك سريعا ، ولبئس الولي أنت تلك الساعة . وحكى أبو عبد الله نحو هذا ، وقد تقدم أن معاوية لما مات وجاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر