ابن كثير
368
البداية والنهاية
في طست فأعطاه عبد الله بن الزبير ليريقه فشربه فقال له لا تمسك النار إلا تحلة القسم ، وويل لك من الناس وويل للناس منك " . وفي رواية أنه قال له : " يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد ، فلما بعد عمد إلى ذلك الدم فشربه ، فلما رجع قال : ما صنعت بالدم ؟ قال : إني شربته لازداد به علما وإيمانا ، وليكون شئ من جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسدي ، وجسدي أولى به من الأرض ، فقال : ابشر لا تمسك النار أبدا . وويل لك من الناس وويل للناس منك " . وقال محمد بن سعد : أنبأ مسلم بن إبراهيم ثنا الحارث بن عبيد ، ثنا أبو عمران الجوني أن نوفا كان يقول : إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء . وقال حماد بن زيد ، عن ثابت البناني قال : كنت أمر بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك . وقال الأعمش عن يحيى بن وثاب : كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد وتنزل لا تراه إلا جذم حائط . وقال غيره : كان ابن الزبير يقوم ليله حتى يصبح ، ويركع ليله حتى يصبح ، ويسجد ليله حتى يصبح . وقال بعضهم : ركع ابن الزبير يوما فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه . وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء : كنت إذا رأيت ابن الزبير يصلي كأنه كعب راسب ، وفي رواية ثابت . وقال أحمد : تعلم عبد الرزاق الصلاة من ابن جريج ، وابن جريج من عطاء ، وعطاء من ابن الزبير ، وابن الزبير من الصديق ، والصديق من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن ابن المنكدر قال : لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة يصفقها الريح ، والمنجنيق يقع ها هنا وها هنا . قال سفيان : كأنه لا يبالي به ولا يعده شيئا . وحكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجرا من المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه ، فما زال عن مقامه ولا عرف ذلك في صورته ، فقال عمر بن عبد العزيز : لا إله إلا الله ، جاء ما وصفت . وقال عمر بن عبد العزيز يوما لابن أبي مليكة : صف لنا عبد الله بن الزبير ، فقال : والله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم ولا لحما على عصب ولا عصبا على عظم مثله ، ولا رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه ، ولقد مرت آجرة من رمي المنجنيق بين لحيته وصدره فوالله ما خشع ولا قطع لها قراءته ، ولا ركع دون ما كان يركع ، وكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شئ إليها . ولقد كان يركع فيكاد الرخم أن يقع على ظهره ويسجد فكأنه ثوب مطروح . وقال أبو القاسم البغوي : عن علي بن الجعد ، عن شعبة ، عن منصور بن زاذان قال : أخبرني من رأى ابن الزبير يسرب في صلاته وكان ابن الزبير من المصلين . وسئل ابن عباس عن ابن الزبير فقال : كان قارئا لكتاب الله ، متبعا لسنة رسول الله ، قانتا لله صائما في الهواجر من مخافة الله ، ابن حواري رسول الله ، وأمه بنت الصديق ، وخالته عائشة حبيبة حبيب الله ، زوجة رسول الله ، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله . وروي أن ابن الزبير كان يوما يصلي فسقطت حية من السقط فطوقت على بطن ابنه هاشم فصرخ النسوة وانزعج أهل المنزل واجتمعوا على قتل تلك