ابن كثير
360
البداية والنهاية
الزبير حلف لا يعطي عبد الملك طاعة أبدا ، ودعا بطست فغسل رأس ابن الزبير وكفنه وطيبه وبعث به أهله بالمدينة ، ويقال بل دفنه عنده بخراسان والله أعلم . وأطعم الكتاب للبريد الذي جاء به وقال : لولا أنك رسول لضربت عنقك ، وقال بعضهم : قطع يديه ورجليه وضرب عنقه . وممن توفي فيها من الأعيان الأحنف بن قيس أبو ( 1 ) معاوية بن حصين التميمي السعدي أبو بحر البصري ابن أخي صعصعة بن معاوية ، والأحنف لقب له ، وإنما اسمه الضحاك ، وقيل صخر ، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وجاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له ، وكان سيدا شريفا مطاعا مؤمنا ، عليم اللسان ، وكان يضرب بحلمه المثل وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان ، قال عنه عمر بن الخطاب : هو مؤمن عليم اللسان . وقال الحسن البصري : ما رأيت شريف قوم أفضل منه ، وقال أحمد بن عبد الله العجلي : هو بصري تابعي ثقة ، وكان سيد قومه ، وكان أعور أحيف الرجلين ذميما قصيرا كوسجا له بيضة واحدة ، احتسبه عمر عن قومه سنة يختبره ، ثم قال : هذا والله السيد - أو قال السؤدد - وقيل إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه ، قيل ذهبت عينه بالجدري ، وقيل في فتح سمرقند ، وقال يعقوب بن سفيان : كان الأحنف جوادا حليما ، وكان رجلا صالحا . أدرك الجاهلية ثم أسلم ، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فاستغفر له ، وقال : كان ثقة مأمونا قليل الحديث ، وكان كثير الصلاة بالليل ، وكان يسرج المصباح ويصلي ويبكي حتى الصباح ، وكان يضع أصبعه في المصباح ويقول : حس يا أحنف ، ما حملك على كذا ؟ ما حملك على كذا ؟ ويقول لنفسه : إذا لم تصبر على المصباح فكيف تصبر على النار الكبرى ؟ وقيل له : كيف سودك قومك وأنت أرذلهم خلقة ؟ قال : لو عاب قومي الماء ما شربته ، كان الأحنف من أمراء علي يوم صفين ، وهو الذي صالح أهل بلخ على أربعمائة ألف دينار في كل سنة . وله وقائع مشهودة مشهورة ، وقتل من أهل خراسان خلقا كثيرا في القتال بينهما ، وانتصر عليهم . وقال الحاكم : وهو الذي افتتح مرو الروذ ، وكان الحسن وابن سيرين في جيشه ، وهو الذي افتتح سمرقند وغيرها من البلاد . وقيل إنه مات سنة سبع وستين ، وقيل غير ذلك ، عن سبعين سنة . وقيل عن أكثر من ذلك . ومن كلامه وقد سئل عن الحكم ما هو ؟ فقال : الذل مع الصبر ، وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول : والله إني لأجد ما يجدون ، ولكني صبور . وقال : وجدت الحلم أنصر لي من
--> ( 1 ) في الإصابة 1 / 100 والمعارف ص 186 ابن معاوية . ذكر ابن قتيبة في نسبه : هو صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن عباد بن مرة بن عبيد بن تميم ورهطه بنو مرة بن عبيد . وهو أبو اليقظان .