ابن كثير
351
البداية والنهاية
أن لي بكل رجلين منكم رجلا من أهل الشام . فقال له أبو حاجز الأسدي - وكان قاضي الجماعة بالبصرة - إن لنا ولكم مثلا قد مضى يا أمير المؤمنين وهو ما قال الأعشى : علقتها عرضا وعلقت رجلا * غيري وعلق أخرى غيرها الرجل قلت كما قيل أيضا : جننا بليلى وهي جنت بغيرنا * وأخرى بنا مجنونة لا نريدها علقناك يا أمير المؤمنين وعلقت أهل الشام وعلق أهل الشام إلى مروان ، فما عسينا أن نصنع ؟ قال الشعبي : ما سمعت جوابا أحسن منه ، وقال غيره : وكان مصعب من أشد الناس محبة للنساء وقد أمضى من ذلك شيئا كثيرا كما روى أنه اجتمع عند الحجر الأسود جماعة منهم ابن عمر ومصعب بن الزبير ، فقالوا : ليقم كل واحد منكم وليسأل من الله حاجته ، فسأل ابن عمر المغفرة ، وسأل مصعب أن يزوجه الله سكينة بنت الحسين ، وعائشة بنت طلحة ، وكانتا من أحسن النساء في ذلك الزمان ، وأن يعطيه الله إمرة العراقين ، فأعطاه الله ذلك ، تزوج بعائشة بنت طلحة ، وكان صداقها عليه مائة ألف دينار ، وكانت باهرة الجمال جدا ، وكان مصعب أيضا جميلا جدا ، وكذلك بقية زوجاته ، قال الأصمعي : عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه قال : اجتمع في الحجر مصعب وعروة وابن الزبير وابن عمر ، فقال عبد الله بن الزبير : أما أنا فأتمنى الخلافة ، وقال عروة : أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم : وقال مصعب ، أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين . وقال عبد الله بن عمر : أما أنا فأتمنى المغفرة . قال : فنالوا كلهم ما تمنوا ، ولعل ابن عمر قد غفر الله له . وقال عامر الشعبي : بينما أنا جالس إذ دعاني الأمير مصعب بن الزبير فأدخلني دار الامارة ثم كشف فإذا وراءه عائشة بنت طلحة ، فلم أر منظرا أبهى ولا أحسن منها ، فقال : أتدري من هذه ؟ فقلت : لا فقال : هذه عائشة بنت طلحة ، ثم خرجت فقالت : من هذا الذي أظهرتني عليه ؟ قال : هذا عامر الشعبي ، قالت : فأطلق له شيئا ، فأطلق لي عشرة آلاف درهم . قال الشعبي : فكان أول مال ملكته ، وحكى الحافظ ابن عساكر : أن عائشة بنت طلحة تغضبت مرة على مصعب فترضاها بأربعمائة ألف درهم ، فأطلقتها هي للمرأة التي أصلحت بينهما ، وقيل إنه أهديت له نخلة من ذهب ثمارها من صنوف الجواهر المثمنة ، فقومت بألفي ألف دينار ، وكانت من متاع الفرس فأعطاها لعائشة بنت طلحة . وقد كان مصعب من أجود الناس وأكثرهم عطاء ، لا يستكثر ما يعطي ولو كان ما عساه أن يكون فكانت عطاياه للقوي والضعيف ، والوضيع والشريف متقاربة ، وكان أخوه عبد الله يبخل . وروى الخطيب البغدادي في تاريخه أن مصعبا غضب مرة على رجل فأمر بضرب عنقه ، فقال له