ابن كثير
29
البداية والنهاية
أيضا : ثنا إسحاق بن منصور ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة . قال : قال طلحة بن عبيد الله : سمعت رسول الله يقول : " إن عمرو بن العاص من صالحي قريش " ( 1 ) وفي الحديث الآخر : " ابنا العاص مؤمنان " وفي الحديث الآخر : " نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله " . رووه في فضائل عمرو بن العاص . ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب ، وكانت له الآراء السديدة ، والمواقف الحميدة ، والأحوال السعيدة . ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها ، وأقره فيها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله كما قدمناه ، وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فاعتزل عمرو بفلسطين وبقي في نفسه من عثمان رضي الله عنهما . فلما قتل سار إلى معاوية فشهد مواقفه كلها بصفين وغيرها ، وكان هو أحد الحكمين . ثم لما أن استرجع معاوية مصر وانتزعها من يد محمد بن أبي بكر ، استعمل عمرو بن العاص عليها فلم يزل نائبها إلى أن مات في هذه السنة على المشهور ، وقيل إنه توفي سنة سبع وأربعين ، وقيل سنة ثمان وأربعين . وقيل سنة إحدى وخمسين رحمه الله . وقد كان معدودا من دعاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم . وله أمثال حسنة وأشعار جيدة . وقد روي عنه أنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل ، ومن شعره : إذا المرء لم يترك طعاما يحبه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة * إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - أنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال : لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد الله : لم تبكي ؟ أجزعا على الموت ؟ فقال : لا والله ولكن مما بعد الموت ، فقال له : قد كنت على خير ، فجعل يذكره صحبة رسول الله وفتوحه الشام ، فقال عمرو : تركت أفضل من ذلك كله شهادة أن لا إله إلا الله ، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه ، كنت أول قريش كافرا ، وكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو مت حينئذ وجبت لي النار ، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أشد الناس حياء منه ، فما ملأت عيني من رسول الله ولا راجعته فيما أريد حتى لحق بالله حياء ، فلو مت يومئذ قال الناس : هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير فمات عليه نرجو له الجنة . ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان . وأشياء فلا أدري علي أم لي ، فإذا مت فلا تبكين علي باكية ، ولا يتبعني مادح ولا نار ، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم ، وشنوا علي التراب شنا ( 2 ) ، فإن جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر ، ولا تجعلن في قبري خشبة
--> ( 1 ) المصدر السابق ح 3845 . ( 2 ) في المسند 4 / 199 : وسنوا علي التراب سنا ، وكذا قال القاضي : بالمعجمة والمهملة قال : وهو الصب ، وبالمهملة : الصب بسهولة ، وبالمعجمة التفريق .