ابن كثير

27

البداية والنهاية

والنهي عن المنكر فيما يزعمون . وفي هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية - وكان قد امتنع عليه قريبا من سنة في قلعة عرفت به يقال لها قلعة زياد - فكتب إليه معاوية : ما يحملك على أن تهلك نفسك ؟ أقدم علي فأخبرني بما صار إليك من أموال فارس وما صرفت منها وما بقي عندك فائتني به وأنت آمن ، فان شئت أن تقيم عندنا فعلت وإلا ذهبت حيث ما شئت من الأرض فأنت آمن . فعند ذلك أزمع زياد السير إلى معاوية ، فبلغ المغيرة قدمه فخشي أن يجتمع بمعاوية قبله ، فسار نحو دمشق إلى معاوية فسبقه زياد إلى معاوية بشهر فقال معاوية للمغيرة : ما هذا وهو أبعد منك وأنت جئت بعده بشهر ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنه ينتظر الزيادة وأنا أنتظر النقصان ، فأكرم معاوية زيادا وقبض ما كان معه من الأموال وصدقه فيما صرفه . سنة ثلاث وأربعين فيها غزا بسر بن أبي أرطاة بلاد الروم فتوغل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية ، وشتى ببلادهم فيما زعمه الواقدي ، وأنكر غيره ذلك وقالوا : لم يكن بها مشتى لاحد قط فالله أعلم . قال ابن جرير : وفيها مات عمرو بن العاص بمصر ، ومحمد بن مسلمة ، قلت : وسنذكر ترجمة كل منهما في آخرها ، فولى معاوية بعد عمرو بن العاص على ديار مصر ولده عبد الله بن عمرو ، قال الواقدي : فعمل له عليها سنتين . وقد كانت في هذه السنة - أعين سنة ثلاث وأربعين - وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة ، وذلك أنهم صمموا - كما قدمنا - على الخروج على الناس في هذا الحين ، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة ( 1 ) ، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف ، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع ( 2 ) في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج ، فلقيهم أبو الرواع ( 2 ) بمكان يقال له المذار ( 3 ) : فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج ، ولكن لم يقتل أحد منهم ، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم ، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس ، فنزل وصلى بأصحابه ، ثم شرع في مدح أبي الرواع فقال له : أيها الأمير إن لهم شدات منكرة ، فكن أنت ردأ الناس ، ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك ، فقال معقل بن قيس : نعم ما رأيت ، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه ، فانجفل عنه عامة أصحابه ، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال : يا معشر المسلمين الأرض الأرض ، فترجل

--> ( 1 ) في ابن الأثير 3 / 421 علفة وفي سائر المراجع علفة بفتح اللام المشددة . التيمي من تيم الرباب تاريخ الطبري 6 / 100 . ( 2 ) في الكامل والطبري : أبو الرواغ الشاكري . ( 3 ) المذار : في ميسان بين واسط والبصرة وهي قصبة ميسان بينها وبين البصرة مقدار أربعة أيام .