ابن كثير

18

البداية والنهاية

" أيها الناس إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " ( 1 ) رواه البخاري . سنة إحدى وأربعين قال ابن جرير : فيها سلم الحسن بن علي الامر لمعاوية بن أبي سفيان . ثم روى عن الزهري أنه قال : لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون [ من سالمت ] محاربون [ من حاربت ] فارتاب به أهل العراق وقالوا : ما هذا لكم بصاحب ؟ فما كان عن قريب حتى طعنوه فأشووه فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا ( 2 ) ، فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران . وقال البخاري في كتاب الصلح : حدثنا عبد الله بن محمد ثنا سفيان عن أبي موسى . قال : سمعت الحسن يقول : " استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص : إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها ، فقال معاوية - وكان والله خير الرجلين - : إن قتل هؤلاء هؤلاء ، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس ؟ من لي بضعفتهم ؟ من لي بنسائهم ، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة ، وعبد الله بن عامر - قال : اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه ، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه ، فقال لهما الحسن بن علي : إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال ، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها ، قالا : فإنه يعرض عليك كذا وكذا ، ويطلب إليك ويسالمك . قال : فمن لي بهذا ؟ قالا : نحن لك به ، فما سألهما شيئا إلا قالا : نحن لك به ، فصالحه " ( 3 ) ،

--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 49 . والبخاري في كتاب الصلح . باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن ابني هذا سيد . . . 3 / 244 الطبعة الأميرية . وأعاده في علامات النبوة في كتاب المناقب . ورواه المسعودي في مروج الذهب 2 / 478 . ( 2 ) ما بين معكوفتين من الطبري 6 / 93 . وقال غيره ان خطبته كانت بعد وصوله إلى المدائن فتوح ابن الأعثم 4 / 154 . والاخبار الطوال ص 216 . ( 3 ) صورة معاهدة الصلح التي وقعها الفريقان . وقد أخذناها من مصادرها حرفيا : المادة الأولى : تسليم الامر إلى معاوية ، على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله [ المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 4 / 8 ] وبسيرة الخلفاء الصالحين [ فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية ص 156 ط 1 ] . المادة الثانية : أن يكون الامر للحسن من بعده [ تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194 والإصابة 2 / 12 و 13 الإمامة والسياسة ص 150 دائرة معارف وجدي 3 / 443 ] وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد [ المدائني فيما يرويه عنه ابن أبي الحديد ج 4 / 8 والفصول المهمة لابن الصباغ وغيرهما ] . المادة الثالثة : أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكر عليا إلا بخير [ الأصفهاني مقاتل الطالبيين ص 26 شرح النهج ص 4 / 15 وقال آخرون أنه أجابه على أن لا يشتم عليا وهو يسمع ، وقال ابن الأثير : ثم لم يف به أيضا ] . المادة الرابعة : يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن ، وله خراج دار ابجرد [ الطبري 6 / 92 الإمامة والسياسة ص 200 وفي الاخبار الطوال ص 218 : أن يحمل لأخيه الحسين في كل عام ألفي ألف ، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس ] . المادة الخامسة : أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإجنة ، وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم [ الدينوري في الاخبار الطوال ص 218 ] وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم [ فتوح ابن الأعثم 4 / 160 ] .